بين سياسة الترقيع.. والمساعي الروسية!
آذار 15, 2021

صلاح سلام.
 سياسة الترقيع وغياب المعالجات الجدية لتدهور الوضع النقدي والمعيشي، تؤكد إستمرار ذهنية الهروب إلى الأمام لدى المنظومة الحاكمة، التي تُعاني من حالة شلل وتفكك، فضلًا عن تفاقم التباعد بين أطرافها، وتبادل الإتهامات حول مسؤولية الإنهيارات المتتالية.
ورغم أن أهل القرار يدركون أكثر من غيرهم أن الإنفاق العشوائي في السنوات الأخيرة، والذي بلغ ذروته في إقرار سلسلة الرتب والرواتب دون تأمين تمويل كافٍ لها، والإمعان في عمليات النهب والصفقات، وترك عجز الكهرباء المتمادي على غاربه، قد أوصل البلاد إلى الإفلاس الحالي، فثمة إصرار عجائبي على متابعة هذا النهج المدمر، من خلال تحميل المالية العامة المزيد من الأعباء، عوض البحث عن خطط وقف الإنحدار، وإيقاف التدهور المريع في قيمة الليرة.
المستويات المتدنية التي وصلت إليها رواتب العسكريين ورجال الأمن وبقية موظفي الدولة العلية، ليست مقبولة، ولا يجوز السكوت عنها، ولا تجاهل تداعياتها المختلفة على الأوضاع العامة، وعلى ما تبقى من أمن إجتماعي في البلد.
ولكن التصدي لهذا الواقع المرير لا يكون بزيادات فورية في الرواتب، ولا في صرف مبالغ دعم مؤقتة، مثل تخصيص مليون ليرة لعناصر وضباط الأسلاك العسكرية والأمنية، وزيادة الضغوط على الليرة، لأن هذا الإنفاق الجديد يقتضي طبع المزيد من العملة الوطنية، ومضاعفة التضخم الصاعد مع إرتفاع سعر الدولار، ويؤدي إلى نتائج عكسية، ليس أقلها إستمرار التوغل الحالي للغلاء المتفلت من أية رقابة رسمية، وتآكل قيمة الرواتب بسرعة أكبر، بسبب التدني الدراماتيكي لليرة، وتبخر مفعول الزيادات قبل أن تصل إلى جيوب أصحابها.
ليس خافياً على أحد أن الخروج من دوامة الأزمات الخانقة التي تهيمن على العباد والبلاد يبدأ بخطوة أساسية تقضي بتأليف الحكومة العتيدة، وإطلاق ورشة الإصلاحات لوقف الإنهيار أولاً، وللعودة إلى سلوك سبيل المعالجات الصحيحة والجذرية، وإعادة فتح قنوات المساعدات والتعاون مع الأشقاء والأصدقاء من الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية.
لم يعد ينفع التلطي وراء العوامل الخارجية لتغطية ذرائع الفشل السياسي الداخلي في تجاوز المطالب الأنانية والحزبية التي تعطل الولادة الحكومية، لأن التحدي الأساسي يبقى في إثبات قدرة أهل الحكم على إيجاد المخارج المناسبة لإنتشال الدولة من الشلل القاتل، وإعادة الروح إلى السلطة التنفيذية وطوي صفحة الإنكار والمكابرة والعناد، التي أنتجت الأزمة الوجودية الراهنة التي تهدد بالقضاء على البقية الباقية من مقومات الدولة، وهي أصبحت أقل من القليل.
لم يعد بمقدور البلد الصمود أمام تسونامي الإنهيارات المتناسلة بهذه السرعة الجنونية، بإنتظار التسويات الإقليمية التي مازالت في عالم الغيب، في ظل عملية عض الأصابع بين واشنطن وطهران، والجدال المحتدم حول من يفتح باب التفاوض أولاً. لأن التوصل إلى حد أدنى من التوافق بين اللبنانيين حول صيغة الحكومة العتيدة، يضع كل الأطراف الخارجية، ومعهم الحلفاء المحليين، أمام واقع جديد من شأنه إسقاط الأقنعة عن وجوه الجميع.
ولعل المبادرة الروسية، الناشطة حالياً على أكثر من صعيد، محلي وإقليمي ودولي، تفلح في إحداث ؛خرق ما» في جدار الأزمة اللبنانية، بعدما أفلحت جولة الوزير الروسي لافروف الخليجية في فتح كوة مهمة في الجدار السوري، قد تؤدي إلى تغييرات مهمة في خريطة الأزمة السورية وتداعياتها العسكرية والسياسية.
وإلى أن تصل الجهود الروسية إلى النتائج المرجوة في الوضع السوري، تحتاج الأزمة في لبنان إلى فسحة لإلتقاط الأنفاس، تقضي بتواضع الأطراف اللبنانية في مطالبها والتخلي عن هذه المكابرة الفارغة في الحفاظ على مصالحها، ووقف التفريط بمصلحة الوطن العليا، التي وصلت إلى مستوى غير مسبوق من التدني والإنهيار.
فهل تنفع «أرانب» الرئيس بري مرة أخرى في التغلب على العقبات الكأداء التي تضغط على أعناق البلاد والعباد؟  
المصدر: اللواء.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".