ترامب في مواجهة إعصاري الانتخابات وكورونا.
تشرين الثاني 17, 2020

عبد الباسط سيدا.

عادة ما تحظى الانتخابات الرئاسية الأميركية باهتمام العالم أجمع؛ ولكن انتخابات الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري كانت استثنائية من جهة المتابعة وملاحقة المتغيرات، والحرص على معرفة تفاصيل تحولات الرأي العام الأميركي أولاً بأول. كما كان هناك اهتمام لافت بقواعد هذه الانتخابات، سيما ما يتصل منها بعدد (ودور) أعضاء المجمع الانتخابي، وحجم توزعهم بين مختلف الولايات وفق النسب العددية، هذا فضلاً عن تاريخ اجتماعهم، وآلية اتخاذ القرارات الخاصة بتحديد الرئيس المقبل وتثبيته، فقد باتت هذه التفصيلات والدقائق وغيرها، هذه السنة، جزءاً من معرفة الناس العاديين، نتيجة الاهتمام غير العادي بهذه الانتخابات التي انتهت، وأعلنت إعلاميا نتيجتها التي أعرب معظم الأميركيين عن سعادتهم بها. ولم تقتصر مظاهر الفرح على الأميركيين وحدهم، بل شملت مناطق واسعة في العالم، وانعكس ذلك في مسارعة زعماء غالبية الدول إلى تهنئة الرئيس المنتخب، جو بايدن، وإعرابهم عن تطلعهم للتعاون معه. هذا كله بينما لم يقبل الرئيس الحالي، دونالد ترامب، بعد بالنتيجة، وما زال مصراً على أن عمليات تزوير كبرى حدثت، وأدت، وفق ما يصرّ عليه، إلى سرقة الفوز منه، على الرغم من أن أصواتا وازنةً كثيرة في الحزب الجمهوري قد تواصلت مع بايدن، وهنأته بالفوز، ووجدته الشخص المناسب في هذه المرحلة، وتمنت له التوفيق.

تفسّر عوامل موضوعية ظاهرة الاهتمام الاستثنائي بالانتخابات الأميركية هذا العام، تتمثل، أساسا، في جملة من الأزمات والتوترات، والمنافسات والخصومات التي قد تتحول إلى نزاعات عسكرية، ما لم تعالج بصورة مناسبة في مناطق عديدة، فالأوضاع في سورية واليمن وليبيا ما زالت ملتهبة. كما أن الأوضاع في شبه الجزيرة الهندية ليست على ما يُرام. وكذلك في جنوب شرق آسيا وفي أميركا اللاتينية. هذا إلى جانب العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والصين، خصوصا في الميدان التجاري. فضلاً عن استفادة روسيا من الانكفاء الأميركي، وتعزيزها وجودها في مناطق متعددة، سيما في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ضغطها المتزايد على الأوروبيين. وضمن القارة الأوروبية، هناك خلافات وتبانيات أدت إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بمباركة واضحة من ترامب. هذا بالإضافة إلى موضوع الموقف من الجماعات الإسلاموية المتشدّدة في أوروبا، والتشنجنات الخاصة التي ولّدها التهجم على الإسلام. وإلى جانب هذا كله وذاك، تشكل أزمة جائحة كوفيد 19 (كورونا) كابوساً ثقيلاً أنهك سائر الدول، وتسبب في أزمة اقتصادية عميقة. ويُشار في هذا السياق أيضاً إلى المخاطر التي تهدّد المناخ، وتنذر بنتائج كارثية غير مسبوقة.

وتستوجب جميع هذه المسائل والقضايا، وغيرها، وجود زعامة دولية قادرة على إعادة التوازن إلى المعادلات المختلة، أو اعتماد معادلاتٍ جديدة، تأخذ بالاعتبار واقع المتغيرات الحاصلة، وتستشفّ أبعاد التحولات المستقبلية المتوقعة، وسبل التعامل معها.

إلى جانب العوامل الموضوعية التي كانت، وما زالت، أساسيةً في عملية تفسير الاهتمام بالانتخابات الأميركية؛ هناك عوامل ذاتية، أضفت أهمية خاصة على انتخابات هذه الدورة، تتمحور بصورة رئيسة حول شخصية الرئيس ترامب نفسها، فطريقة وصوله الغريبة إلى موقع مرشح الحزب الجمهوري؛ ومن ثم فوزه في الانتخابات، والإشكالات التي كانت؛ والتساؤلات والتحقيقات التي طاولت موضوع فوزه، خصوصا من ناحية الدور الروسي في الانتخابات الأميركية؛ وحرصه الشديد على عدم توجيه انتقاداتٍ مباشرة إلى الرئيس الروسي، بوتين، ودوره في أماكن عديدة، سيما في سورية وأوكرانيا، هذا إلى جانب اضطراب علاقاته مع أركان إدارته منذ اللحظة الأولى، والحجم الكبير للاستقالات والإقالات التي شملت الوزراء الأساسيين لديه، فضلاً عن المسؤولين الأمنيين الكبار؛ وغالباً ما كان يتم الإعلان عن هذه العمليات بتغريداتٍ اشتهر بها ترامب، كانت تتضمن عباراتٍ توبيخية بحق المستقيلين أو المقالين، لا تتناسب أبداً مع موقع زعيم أقوى دولة في العالم.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان توتير الأجواء مع الأوروبيين، وهم الذين ما زالوا يعتبرون أنفسهم الحلفاء الاستراتيجيين لأميركا. وقد تمثل هذا التوتر في انسحابه الإشكالي من اتفاقية باريس للمناخ 2015، وإيقاف دعم وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين (أونروا) صيف 2018، والانسحاب من اليونسكو أواخر 2018، وفرضه الرسوم الجمركية على الواردات الأوروبية، الأمر الذي دفع الأوروبيين نحو الشعور بالمخاطر الجسيمة التي تهدّدهم، خصوصا بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فبدأ الحديث عن بناء قوة عسكرية أوروبية يأخذ طابعاً أكثر جدّية، فمثل هذه القوة ستكون، وفق مؤيّدي الفكرة، أداة دفاع مطلوبة حين اللزوم، سيما في أجواء تنامي القوة العسكرية الروسية المجاورة لهم. هذا إلى جانب قرار ترامب الانسحاب من منظمة الصحة العالمية في خضم مواجهة العالم لجائحة كوفيد 19، والحديث عن إمكانية الانسحاب من منظمة التجارة العالمية.

أما داخلياّ، فقد أثار ترامب حفيظة قطاعات واسعة من الأميركيين؛ مع حرصه في المقابل على تمتين العلاقات مع المتدينين المحافظين، ولجوئه إلى دغدغة المشاعر القومية/ الوطنية الأميركية، ومخاطبته بصورة أساسية الريفيين البيض، ومحدودي الثقافة، بخطابه الشعبوي المباشر، وتباهيه بتأمين مزيدٍ من فرص العمل، وتساهله المثير للجدل في موضوع بيع السلاح للمواطنين، ورفض قانون الضمان الصحي الذي أقر في عهد الرئيس أوباما، وعدم تمكّنه من طرح البديل الأفضل. كما لم يراع ترامب وضعية الطبقة الوسطى، بل عمل على تخفيض الضرائب المفروضة على أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة. ولم يتمكّن من معالجة قضايا التمييز العنصري التي يعاني منها الأميركيون السود تحديدا، وقد بدا ذلك واضحاً جلياً في أثناء المظاهرات والاحتجاجات بعد تسبب الشرطة في وفاة جورج فلويد. كما أثار الاستهتار بجائحة كورونا تساؤلات وانتقادات كثيرة، وتسبب في جدلٍ كثير بشأن جدية الرئيس، وأهليته لمعالجة الأزمات الكبرى.

وعلى الصعيد الدولي، أثار الرئيس ترامب الأزمة تلو الأخرى مع جميع الدول تقريباً. مع المكسيك بخصوص الجدار، وداخل أميركا اللاتينية، كما أثار الخلافات مع كندا. ولم يتمكّن من تحديد موقف واضح من الامتداد الإيراني في دول المنطقة، على الرغم من إلغائه الاتفاقية النووية، وإعطائه الأوامر بقتل قاسم سليماني، فهو لم يتمكّن من إقناع الأوروبيين بوجهة نظره بشأن الاتفاقية مع إيران من ناحية؛ ولم يمارس الضغط المطلوب على الإيرانيين، لوضع حد لتدخلاتهم المتصاعدة في مختلف دول المنطقة من ناحية أخرى. والأمر نفسه بالنسبة إلى الملف السوري الذي ما زال جرحأ مفتوحاً، ينتظر موقفاً أميركياً حاسماً لمساعدة الشعب السوري على تجاوز المحنة التي في طريقها نحو إكمال عامها العاشر. وبخصوص النزاع العربي الإسرائيلي، حرص ترامب على إرضاء الجانب الإسرائيلي، أو بتعبير أدق مساعدة صديقه نتنياهو، ومن دون الأخذ بالاعتبار المصالح الأميركية الاستراتيجية الكبرى في المنطقة، إلى جانب إخلاله بمبدأ حل الدولتين الذي أقرّته الأمم المتحدة. وهو الموضوع الذي أثار خلافا مع الجانب الأوروبي الذي يتطلع إلى حلٍ واقعي مستدام، يأخذ مصالح الشعبين، الإسرائيلي والفلسطيني، بالاعتبار.

على صعيد آخر، أثارت تصريحات ترامب وإجراءاته ردود أفعال سلبية عديدة بين المسلمين في أنحاء العالم، بحديثه عن "الإرهاب الإسلامي"، ومن دون أي تمييز بين الإسلام والجماعات الإسلاموية المتشددة التي تمارس إرهابها تحت اسم الإسلام الذي تستغله أيديولوجية لتجييش الأنصار وتعبئتهم، هذا إلى جانب منعه دخول مواطني عدة دول إسلامية إلى الولايات المتحدة الأميركية، وتشدّده في موضوع الهجرة، وخطابه الشعبوي في هذا المجال؛ فضلاً عن تشديده المستمر على شعار "أميركا القوية أولاً".

وقد استلهمت القوى اليمينية المتطرّفة، خصوصا القوموية منها في مختلف أنحاء العالم، هذه التوجهات الشعبوية في خطاب ترامب، سيما تشديده على مبدأ المصالح الأميركية أولاً، ما رسّخ انطباعاً بأن المرحلة باتت مرحلة التقوقع والشعارات الشعبوية؛ مرحلة الادعاء بحل المشكلات، ومعالجة القضايا، وتسويق ذلك إعلامياً ودعائياً، بينما الأمور على أرض الواقع مغايرة تماماً لما يُروّج ويُقال، فقد تحدث ترامب عن إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأمر بسحب القوات الأميركية من شرقي الفرات، في حين أن الجميع كان يعلم أن الأسباب الحقيقية لظهور "داعش"، والأدوار الوظيفية التي قام بها ما زالت موجودة وفاعلة. والجميع في انتظار اعتراف ترامب بنتيجة الانتخابات الأميركية؛ وإلا فستكون هناك جولة قضائية بينه وبين الرئيس المنتخب بايدن. وستكون الخطوة اللاحقة تشكيل فريق الإدارة الجديدة، وتحديد ملامح السياسات القادمة، وبلورة معالم الاستراتيجيات التي ستكون مرجعية التعامل مع مختلف القضايا الداخلية والدولية.

ما هو نصيب منطقتنا من المتغيرات المقبلة في التوجهات الأميركية الجديدة؟ وما موقع سورية تحديداً ضمن الاستراتيجية الأميركية التي ستعتمد لمقاربة قضايا المنطقة؟ هل سنشهد استمرارية لسياسات أوباما الانكفائية؟ أم أن سياسات ترامب البين بينية التي توحي بتحولات لا تحدث ستستمر؟ أم ستكون هناك سياسة جديدة تتناسب مع المتغيرات والأولويات المستجدة؟ تتوقف إجابات هذه الأسئلة، وغيرها، على حقيقة العلاقة الجديدة التي ستقيمها الولايات المتحدة الأميركية مع مختلف الأطراف الإقليمية الفاعلة، بما فيها إيران. ولكن المؤكد أنه من دون وجود بديل وطني سوري متماسك، متمسّك بمصالح شعبه حتى الرمق الأخير، بديل مقنع مقبول يطمئن جميع السوريين، سنظل مجرد ملفٍّ من ملفات البازارات الدولية.

إمكانات التصعيد موجودة؛ ولكن فرص التفاهم والتوافق على حلولٍ تكون في مصلحة الجميع هي الأخرى متوفرة، بل مرجّحة في حال وجود إرادة حكيمة بعيدة النظر على المستويين، الدولي والإقليمي، بالإضافة إلى المحلي بطبيعة الحال.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".