ترجيحات الضربة الأميركية المحتملة.
كانون الأول 29, 2020

عيسى الشعيبي.

تراصفت في حيّز الزاوية الأسبوعية هذه، قبل نحو خمسة أسابيع، ستمائة كلمة وأكثر، لتشخيص ما بدا في حينه ضربةً أميركيةً محتملة، قد يقوم بها الرئيس الخاسر المأزوم، في ربع الساعة الأخير من زمن ولايته اليتيمة، ضد أهداف إيرانية ثمينة، حيث تم عرض تقدير موقف، وجرى استعراض جملة مؤشّراتٍ وجيهة، تحدثت عنها صحيفة نيويورك تايمز، نقلاً عن مصادر في "البنتاغون"، وعزّزتها الإقالة المفاجئة لوزير الدفاع، مارك أسبر، قبل أن يدخل كبار المحللين الأميركيين والإسرائيليين على خط التكهنات هذه.

آنذاك لم تكن تلك المؤشّرات، على أهميتها، كافية وحدها لترجيح مثل هذه الضربة الدراماتيكية الوداعية، وإن أبقت عليها في نطاق دائرة الاحتمالات القوية، غير أن معطياتٍ كثيرة وازنة، واستعدادات عسكرية عديدة، متراكمة طوال الفترة القصيرة الماضية، راحت تنقل الضربة المتوقعة، من فضاء الفرضية الممكنة، إلى حافّة الهجمة الحربية المرجّحة، خصوصا بعد استقدام طائرات بي 52 الاستراتيجية، وحاملات الطائرات والبوارج والغواصات النووية الأميركية والإسرائيلية.

نقطة التحوّل الفارقة في هذا المسار التصعيدي حيال إيران أتت قبل أسبوع، في أعقاب الهجوم الصاروخي الكثيف ضد السفارة الأميركية في بغداد، بكل ما ترمز إليه السفارة من معاني السيادة والهيبة، وما تُشكّله من أهداف صلبة، وما يخلقه الهجوم عليها من حوافز إضافية، لتسديد الحساب المؤجّل مع الجمهورية الإسلامية، وتسوية فواتير داخلية معلّقة، الأول منها يخصّ نزوة ترامب، الراغب في تعقيد عودة خليفته إلى الاتفاق النووي، والثاني يتصل بالحسابات الاستراتيجية للدولة العظمى، أما الثالث فهو متعلّق بالمآرب الإسرائيلية المبيتة.

في المرّة الأخيرة التي تعرضت فيها السفارة الأميركية إلى ما يشبه حالة حصار مطبق، قبل عام، سدّدت واشنطن إحدى أشد ضرباتها الانتقامية إيلاماً لإيران، بقتل بطلها القومي، قاسم سليماني، ما يدعو إلى الاعتقاد أن المسّ بالسفارة مجدّداً، وهي أرض أميركية، تحدٍّ نوعيٌّ مختلف، يماثل وضع إصبع في العين، وهو استفزاز لا يمكن التسامح معه، سيما وأن الخطط جاهزة، والدوافع كامنة، وفوق ذلك إن لم تُضرب إيران في زمن ترامب فإنها قد لا تُضرب أبداً في عهد جو بايدن.

وأحسب أن التقديرات المختلفة لموقف ترامب في هذه اللحظة، التي تضيق فيها نافذة الفرص المتاحة أمامه مع مرور كل يوم، يجب أن تنبني، في معرض التوقعات هذه، على معطيين مهمين، أولهما شخصي جداً لوحشٍ جريح، تُحرّكه دوافع الانتقام لنفسه، وسعيه المحموم إلى تعظيم إرثه، بترك واقعةٍ لا تمّحي من سجله الحافل بالإخفاقات، وثانيهما موضوعي للغاية، ونعني به العقيدة القتالية الأميركية، القائمة على مبدأ الصدمة والرعب، فضلاً عن المبادرة الهجومية بكل ما في اليد من قوة فائقة.

لذلك، لا ينبغي مقاربة افتراضات الضربة الأميركية لإيران، وفق خلفيةٍ معرفيةٍ شرق أوسطية رغائبية انفعالية، مسكونة بالتمنيات والتقييمات اللاواقعية، وإنما على هدي كل من الاعتبارين سابقي الذكر، أي الذاتي اللحظي المتعلق بحسابات المتصبّب عرقاً وغضباً في البيت الأبيض، والموضوعي المتصل بعقيدة أميركا ورؤيتها لنفسها، قوة عظمى لا تُجارى، ولا تذهب إلى التسويات وحلول الوسط الحربية، ولا تسترضي أعداءها، بل تعمد إلى المجابهات المباشرة، والحسم بقوة مفرطة.

إزاء ذلك كله، ليس من قبيل التخمين، القول إن ما كان، في بحر الأسابيع الخمسة الماضية، مجرّد احتمال قوي بوقوع ضربة أميركية لإيران، قد بات بعد واقعة استهداف السفارة في بغداد أمراً مرجّحاً أكثر من ذي قبل، فنحن اليوم أمام رئيس أكثر عدوانية بعد خسارته الانتخابات، ونحن أيضاً قبالة ترسانة عسكرية غير مسبوقة في الخليج وحوله، مترافقة مع سيل وعيد وتهديد جارف، يوازيه خطابٌ مؤسّس على التهويل والمبالغات المعتادة، وسياسة الفم الكبير المعتمدة لدى قادة الحرس الثوري، الذين باتوا يعدّون الأيام بفارغ الصبر لانتهاء عهد ترامب، ينظرون إلى ساعة الحائط بعين، وإلى السماء المفتوحة بأخرى.

ومن غير دخول في لعبة التكهنات، تبدو كل المعطيات، في هذه اللحظة، مواتيةً لتسديد ضربة أميركية وحشية، أو ربما مشتركة مع إسرائيل، سيما وأن إيران صارت في الحضيض، منهكة بفعل العقوبات، وضعيفة إثر اغتيال قاسم سليماني من دون ردٍّ ذي بال، مخترقة أمنياً بقسوة، ومكشوفة على رؤوس الأشهاد، بدلالة قتل عالمها النووي الأكبر فخري زادة في عقر الدار، وتفجير نطنز، الأمر الذي يقوّض وعيدها بشن حربٍ لا نهاية لها، ويسقط كذلك بيد وكلائها المهدّدين بإحراق الخليج والشرق الأوسط كله.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".