ترسيم الحدود البحرية قرار سيادي يحتاج إلى وضوح
شباط 24, 2022

وائل نجم

كثُر الحديث خلال الأيام والأسابيع الأخيرة عن مسألة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وقبل البحث والحديث في مسألة الترسيم لا بدّ من إعادة التأكيد والتذكير أنّه ليس هناك في المفهوم القومي والإسلامي شيء إسمه "دولة إسرائيل" حتى يجري ترسيم الحدود البحرية معها، على الرغم من اتفاقات التطبيع أو الهدنة أو التسويات التي عُقدت مع هذا الكيان. فضلاً عن أنّ هذا الكيان ذاته لا يعترف أصلاً في دستوره بحدود له، والمعروف أنّ دساتير الدول توضح في موادها الأساسية شكل النظام السياسي وعلم الدولة وحدودها، وكيان "إسرائيل" لا يعترف بحدود لأنّه تبنّى سياسة الاحتلال والتوسّع على الدوام، وما ينطبق على الحدود البرّية ينطبق تماماً على الحدود البحرية أيضاً، وبالتالي فإنّ أيّ حديث عن ترسيم حدود مع هذا الكيان لا يعني أكثر من هدنة مرحلية بالنسبة إليه.

بالعودة إلى الحديث عن الترسيم الذي تقود الولايات المتحدة الأمريكية وساطة من أجله من خلال مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي برعاية الأمم المتحدة في مركز قيادة قوات الطوارىء الدولية في الناقورة، فقد زار بيروت قبل أيام الوسيط الأمريكي والتقى عدداً من المسؤولين اللبنانيين المعنيين بملف الترسيم، وجرى الحديث عن التوصل إلى اتفاق وقبول لبناني باعتماد الخط 23 كنقطة حدود بحرية، كما جرى الحديث عن اقتراح أمريكي باعتماد خط متعرّج يعطي حقول نفطية وغازية معيّنة للبنان في مقابل إعطاء حقول نفطية وغزية أخرى لكيان الاحتلال.

أولاً لقد ساد نوع من الغموض والضبابية هذا الملف بعد أن رفضت دوائر القصر الجمهوري المعنيّة توضيح ما توصّلت إليه المفاوضات أو ما اقترحه الوسيط الأمريكي من أفكار سواء لناحية الخط 23 أو الخط 29 أو خط هوف أو الخط المتعرّج أو غيره، وقد تركت هذه الضبابية علامات استفهام كثيرة في الوسط اللبناني لأنّ كثيرين راحوا يربطون بين قبول التنازل بشكل من الأشكال عن الحق اللبناني في مقابل مصالح خاصة ببعض المسؤولين أو الجهات الحزبية والسياسية وأصحاب المصالح، وفي هذا السياق جرى الحديث عن محاولة لرفع اسم صهر رئيس الجمهورية النائب جبران باسيل عن لوائح العقوبات الأمريكية في مقابل القبول بالمقترح الأمركي، وكذلك جرى الحديث عن تساهل أو تسهيل من قوى سياسية نافذة في مقابل ملفات إقليمية حسّاسة.

المعروف أن الحدود تدخل في إطار الدستور والتعريف الدستوري، وهي من الحقوق السيادية التي لا يجوز ولا ينبغي التنازل عنها أو التفريط بها بشكل من الأشكال، كما وأنّ تعديل الدستور يحتاج إلى آليات معيّنة ولا يتم بتلك السهولة التي يتعاطى بها البعض، فالدستور أعلى شأناً وأهمية من القانون، وهو الحاكم عليه، والحدود البرّية والبحرية من ضمن الدستور وبالتالي فإنّ أيّ تعديل بها أو إقرار بشكلها هو عملياً يشكل تعديلاً دستورياً، وتعديل الدستور يحتاج إلى بحث وإقرار ونقاش في المجلس النيابي لأنّ الشعب في النظام الديمقراطي البرلماني، ونظامنا كذلك، هو صاحب السيادة وهو سيّد نفسه، ومجلس النوّاب هو ممثل الشعب من خلال الانتخابات، وبالتالي فإنّ تعديل الدستوري يحتاج إلى نقاش في المجلس النيابي ومن ثمّ إقرار وفق الآليات المعتبرة والتي يوضحها الدستور نفسه. وأيّ شيء من هذا القبيل لم يجرِ للأسف في ملف الترسيم، وما زال الغموض يكتنف الموقف والمفاوضات وهو ما يبعث على الريبة والشك في بلد تحكمه الأهواء والمصالح لا شي آخر.