تركيا وخيار "عدم الانحياز"
آذار 08, 2022

عمر كوش

انتظر الساسة الأتراك عدة أيام، لكي يصفوا ما يجري في أوكرانيا أنه "حالة حرب"، بعد أن كانوا يصفون الغزو الروسي، كما تصفه روسيا، أنه "عملية عسكرية روسية"، كي يتجنّبوا تبعات التوصيف، وخصوصا المتعلقة بتطبيق اتفاقية مونترو، التي تتيح لتركيا إغلاق مضيقي الدردنيل والبوسفور أمام السفن والبوارج العسكرية في أوقات الحرب أو في حال تعرّض تركيا للخطر.

وسبق لأوكرانيا أن طلبت من تركيا إغلاق مضائقها في وجه السفن الحربية الروسية، لكن الأخيرة اكتفت بالتشديد على "الدور الفعال لاتفاقية مونترو في الحفاظ على السلام الإقليمي"، ووجدت مخرجاً لحرجها في عدم توصيفها ما يجري حالة حرب، ولكن بعد تغير توصيفها من "عملية عسكرية" إلى "هجوم غير مقبول" إلى "حالة حرب" بين دولتين من دول حوض البحر الأسود، يشكل فيها هذا البحر إحدى جبهات القتال، فضلاً عن انخراط حلف شمال الأطلسي (الناتو) فيها بشكل غير مباشر، فإن ذلك كله دفع وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، إلى القول إن بلاده "ستطبق اتفاقية مونترو بشكل شفاف"، وإنها "أخطرت جميع الدول المشاطئة وغير المشاطئة للبحر الأسود بألا ترسل سفنها الحربية للمرور عبر مضائقنا".

لم تكن تركيا في حاجة إلى آراء حقوقيين وخبراء عسكريين، من أجل توصيف ما يجري بين روسيا وأوكرانيا حالة حرب، وذلك كي تبرّر تطبيق اتفاقية مونترو، لكن هذه الخطوة تعكس تغيراً رمزياً محدوداً في الخطاب السياسي التركي، على الرغم من أنها لا تخرج عن سياق عدم اتخاذ الساسة الأتراك خطواتٍ أبعد من اللازم، وتُفضي إلى إغضاب روسيا وتعكير مجرى العلاقات معها.

والواقع أن تركيا باتت في موقفٍ لا تُحسد عليه بعد شن روسيا حربا على أوكرانيا في 24 من فبراير/ شباط الجاري، وذلك بالنظر إلى طبيعة العلاقات التي تربطها مع كل من روسيا وأوكرانيا. لذلك حاول ساستها اتخاذ موقف وسطية من الحرب، من خلال عدم إظهارهم مواقف تميل إلى أحد الطرفين، الروسي والأوكراني، وهو ما بدا صعباً لأن الغزو الروسي يجسّد مواجهة بين روسيا من جهة، وكل من أوكرانيا والولايات المتحدة الأميركية ومعها حلف الناتو من جهة أخرى، الأمر الذي شكّل اختباراً لتوجهات السياسة الخارجية التركية ولعلاقاتها الدولية، بوصفها عضواً في حلف الناتو الداعم لأوكرانيا، وتربطها علاقاتٌ عسكريةٌ واقتصادية مع أوكرانيا، وفي الوقت نفسه، ترتبط بعلاقات متعدّدة المستويات مع روسيا، فضلاً عن التنسيق معها، والتنافس كذلك، في ملفاتٍ إقليمية عديدة، الأمر الذي يُثقل موقفها بحسابات معقدة.

وقد بذلت تركيا، منذ بداية الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، مساعي دبلوماسية عديدة، لتجنّب اندلاع الحرب، حيث اعتبر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا هي الإطار المناسب لحلحلة الأزمة، وليس حلف الناتو، ثم عرض وساطته بين الطرفين، لكنها لم تلق آذاناً روسية صاغية، نظراً إلى اعتبارات كثيرة، منها أن روسيا لا تعد تركيا وسيطاً حيادياً في أزمتها مع أوكرانيا، وترتبط معها بعلاقات قوية في مجالات متعدّدة، لكن الأهم هو التأكيد التركي الدائم على دعمها وحدة الأراضي الأوكرانية، وإصرارها على عدم الاعتراف بضم روسيا شبه جزيرة القرم، ودعمها بعض أنشطة تتار القرم. ومع ذلك، استمرّ الساسة الأتراك في محاولتهم الإمساك بالعصا من المنتصف، عبر اتخاذ مواقف وسطية، والوقوف على مسافة واحدة من الطرفين، فمن جهة أولى أكّدوا على وحدة الأراضي الأوكرانية وسلامتها، ووجهوا تحذيرات إلى روسيا من مغبّة غزوها، فيما انتقدوا، من جهة ثانية، مساعي حلف الناتو لضم أوكرانيا إلى عضويته، واعتبروا أن دول الحلف، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، لم تضع المخاوف الأمنية الروسية في الحسبان.

ولم تتغير المواقف التركية الوسطية كثيراً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ عدّته القيادة التركية غير مقبول، ويمثل انتهاكاً للقانون الدولي، مع تأكيدها مواصلة دعمها وحدة أوكرانيا وسيادتها، ووجهت سهام نقدها إلى حلف الناتو، لأنه لم يتخذ خطواتٍ أشد حزماً حيال تطوّرات الأزمة قبل الغزو، لكن الأمر لم يصل إلى حد الانخراط في تطبيق عقوبات اقتصادية على روسيا، مثلما فعلت دول حلف الناتو والولايات المتحدة وسواها، وذلك حرصاً على علاقاتها مع روسيا.    

ولا يبتعد موقف أنقرة من الغزو الروسي لأوكرانيا من حسابات المصالح مع كلا الطرفين، إذ تربطها مع أوكرانيا علاقاتٌ اقتصاديةٌ وسياسيةٌ وأمنيةٌ هامة، حيث تعدّ أوكرانيا من كبار شركائها التجاريين، خصوصا بعد أن تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 7.42 مليارات دولار في العام الماضي، إلى جانب أن أكثر من مليوني سائح أوكراني زاروا تركيا في العام الماضي، كما بدأ البلدان بتنفيذ مشروع لتطوير محركات الطائرات، والتعاون في مجال صناعة الأسلحة عالية الدقة، وتبادل الخبرات للجمع بين القدرات الدفاعية لكلا البلدين، وإنتاج أسلحة حديثة جديدة لجيشيهما. كما باعت تركيا طائرات بدون طيار إلى أوكرانيا، واستخدمتها الأخيرة ضد القوات الروسية.

في المقابل، شهدت العلاقات التركية الروسية تنامياً مضطرداً في السنوات القليلة الماضية، انعكس في انتقالها إلى مستويات جديدة من التعاون والتنسيق بينهما، حيث توسّعت مجالات الشراكة والتعاون بينهما على المستوى الاقتصادي، وخصوصا في مجال الطاقة، عبر توقيع اتفاقيةٍ ستبني روسيا بموجبها مفاعلاً نووياً في تركيا، فيما توصلت الدولتان، على المستوى السياسي، إلى بناء تفاهمات وتوافقات في ملفات إقليمية عديدة، على الرغم من التنافس بينهما، بدءاً من سورية ومروراً في ليبيا ووصولاً إلى ناغورني كره باخ. أما في المجال العسكري فتوجها لشراء تركيا منظومة الصواريخ الدفاعية الروسية إس 400 المثيرة للجدل.

ولا يخرج الموقف التركي من الغزو الروسي لأوكرانيا عن الخطوط العامة للسياسة التركية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، والتي تجد متحقّقها في تحالفات مرنة، يجسّدها نزوع تركيا نحو الاستقلالية، والموازنة بين توجهاتها نحو الشرق أو الغرب، مع تقليص دورها الوظيفي التابع للغرب، من خلال بناء تفاهمات وتوافقات، بدلاً من الاعتماد على حليفٍ مُهيمن، بما يفضي إلى الاستفادة من حليفها الغربي الأطلسي، ومن الشراكة مع روسيا والصين بمنافعها الدفاعية والاقتصادية، من دون التخلي عن أحدهما. لذلك أعلن الرئيس أردوغان أنه لن يتخلى "عن روسيا أو عن أوكرانيا"، بمعنى أن بلاده لن تنحاز إلى روسيا ولا إلى أوكرانيا، لأن الانحياز إلى طرف على حساب الآخر سيكلفها ثمناً باهظاً، لكن هذا الموقف قد يترتّب عليه تبعات كثيرة، خصوصا وأن الغزو الروسي لأوكرانيا غيّر معادلات وحسابات واصطفافات عديدة في أوروبا والعالم، وربما يترك آثاراً وتبعات كارثية على مختلف المستويات.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".