تعاسة حكام الزمن السيِّىء..!
آب 22, 2022

صلاح سلام    

لم يكن ينقص غير الدولار الجمركي حتى يكتمل ضياع هذه السلطة المتراقصة على آلام اللبنانيين ومعاناتهم اليومية في الحصول على لقمة عيش عيالهم.

لبنان أضحى البلد الثاني بأعلى مستويات التعاسة في العالم، بعدما كان «سويسرا الشرق»، بطبيعته الغنّاء، وحياة شعبه الهانئة ومعيشتهم الرغدة، وما يتمتع به من أمن وإستقرار وإزدهار، سرعان ما إنقلب رأساً على عقب، وأصبح البلد في مهاوي الإفلاس، وسقط ٨٥ بالمئة من اللبنانيين في مستنقعات الفقر والجوع، في عهد حكام آخر الزمان .

البلد ينتقل من إنهيار إلى آخر، والناس تتلوى في نار جهنم، وأهل الحكم يكتفون بالتفرج على عجزهم حيناً، والإنصراف إلى خلافاتهم أحياناً كثيرة، وفي الحالتين الهروب إلى الأمام هو أسهل الطرق أمامهم!

ومشاهد الفشل لا تنتهي فصولاً منذ إنفجرت الأزمة المالية قبل ثلاث سنوات، وهذا بعضها،على سبيل المثال لا الحصر، والذي أوصلنا إلى أعلى مستويات التعاسة في العالم:

١ــ إتخاذ القرار العشوائي المدمر بعدم دفع مستحقات اليوروند في شباط ٢٠٢٠، الذي أطاح بالثقة الخارجية بالعملة اللبنانية، وقدرة لبنان على سداد ديونه السيادية، وما تسبب كل ذلك من إنهيارات متدرجة في قيمة الليرة وقدرتها الشرائية.

والأنكى من ذلك أن الدولة اللبنانية لم تكلف نفسها عناء التفاوض مع الجهات الدائنة، لإعادة جدولة الديون المستحقة، وتأكيد الحرص على الحفاظ على سمعة البلد المالية في المحافل الدولية.

٢ــ تمنع المنظومة السياسية، المتواطئة مع المنظومة المصرفية، عن إصدار قانون الكابيتال كونترول، لضبط الحركة النقدية ومنع تهريب الأموال إلى الخارج، فضلاً عن ضرورة تنظيم العلاقة بين المودعين والمصارف، بما يحفظ للمودع حقوقه، ويحافظ قدر الإمكان على سلامة القطاع المصرفي، أو على الأقل التخفيف من إهتزاز الثقة به.

ورغم السجالات المستمرة منذ أيام المجلس النيابي السابق، من المخجل القول أن لا مشروع قانون للكابيتال كونترول مطروح على مجلس النواب، ولا الحكومة تمكنت من التوصل إلى تصور معين لفرض الرقابة على الحركة النقدية وتهريب الأموال إلى الخارج، وأن كل الغبار السياسي والمناظرات التي لا تنتهي بين السياسيين، نواباً وحزبيين، لا أساس لها على أرض الواقع، ولا تنطلق من ورقة عمل مكتوبة، ولا من نص مشروع  قانون مقترح!

٣ــ تجاهل الدولة والجهات المالية المعنية، وفي مقدمتها البنك المركزي، للفوضى الضاربة أطنابها في علاقات المودعين مع المصارف، بحيث أصبح لكل مصرف نظامه الخاص في التعامل مع أصحاب الودائع، إلى حد عدم الإلتزام بالتعاميم الصادرة عن حاكم البنك المركزي، أو حتى القوانين الصادرة عن مجلس النواب، مثل قانون دولار الطلاب الدراسين في الخارج.

ودفعت هذه الفوضى العارمة بعض المواطنين إلى إعتماد شريعة الغاب في تحصيل بعض أموالهم وجنى أعمارهم بالقوة المسلحة، كما حصل مؤخراً مع المودع بسام الشيخ حسين وفدرال بنك.

٤ــ هدر مليارات الدولار في دعم سلع ومواد غذائية وأدوية ومحروقات وكماليات إستفاد منها التجار ومصاصيو دماء الناس، على حساب أصحاب الودائع المنكوبين، الذين كانت أموالهم تذهب إلى جيوب المنتفعين وأزلام السياسيين، وهم يقفون في طوابير الذل أمام المصارف للحصول على فتات من أموالهم، لا يؤمِّن دواءً، ولا يكفي لتجنب الخواء.

عشرون مليار دولار هُدرت على الدعم الوهمي خلال أقل من سنة، لو صُرفت كدفعات من أموال المودعين في المصارف، لكان أجدى لمئات الألوف من العائلات المحرومين من حقوقهم في الحصول على أموالهم، ولصون العلاقة بين المودع والمصرف في حدها الأدنى من الثقة والإحترام. 

٥ــ عدم التجرؤ على حسم مسألة الدولار الجمركي، وإتخاذ التدابير اللازمة لتوحيد سعر صرف الدولار، وتلبية شروط صندوق النقد الدولي، ثم القيام فجأة من السبات العميق، وتقرير رفع الدولار الجمركي إلى ٢٠ ألف ليرة، دون دراسة كافية لتداعيات هذا الإرتفاع الجنوني على كلفة عيش الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، التي تعاني من الفقر والبطالة والعجز عن تأمين الدواء، وعدم القدرة على تحمُّل تكاليف تأمين الكهرباء، وغيرها من ضرورات الحياة اليومية.

أمام كل هذه المشاهد الدرامية، لا يجد أهل الحكم حرجاً في «تكويعهم» عن سلوك سبل الإنقاذ، والبقاء في إمعانهم بتعطيل الدولة، وعجزهم عن التوصل إلى برنامج إنقاذي واقعي وقابل للتنفيذ، وعدم الإسراع في تأليف الحكومة العتيدة، والإعداد لإجراء الإنتخابات الرئاسية في مواعيدها، حتى نحافظ على ما تبقى من حوافز للخارج للتعامل مع المنظومة السياسية الفاشلة، والتي أوصلت البلاد والعباد إلى ثاني أعلى مركز عالمي في التعاسة !

فمن يُنقذ لبنان من تعاسة حكام الزمن السيِّىء .. ويُعيد هذا الشعب الطيّب إلى قمم السعادة والإزدهار؟

المصدر: اللواء.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".