تونس إلى تعقيد أكثر بعد الدستور الجديد
تموز 25, 2022

المهدي مبروك

من بلدٍ يقدّم قصة نجاح في الانتقالات الديمقراطية لمطلع الألفية الثالثة، إلى بلدٍ يقدّم نموذجاً فريداً لانتكاس ديمقراطي ينجزه انقلابٌ هجينٌ، لا نعرف إن كان مدنياً قد داس الدستور، أو عسكرياً دفع بمدني نحو الواجهة علّه يئد تجربة فريدة في انتقال ديمقراطي. وبقطع النظر عن هذا الغموض والتباين في ما يمكن أن يصف الانقلاب التونسي بدقة، النتيجة واحدة؛ يأس أوساط واسعة من أن تكون الديمقراطية وصفة للرخاء والازدهار.

لدى أوساط واسعة ممن تلاعب الإعلام بعقولهم، الديمقراطية سبب الخراب، وأصل كلّ الشرور التي نبتت في بلدهم خلال العشرية المنصرمة. حين أشرنا سابقاً إلى ورشات صناعة الحنين التي ازدهرت خلال هذه السنوات، لم نكن نتوقع أن تتّسع دائرة طمس الحقيقة والتخريب السياسي الذي دفع الناس إلى الكفر بالديمقراطية. تنتشر في تونس دعوشةٌ من نمط خاص في أوساط حداثية واسعة ترى الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات سبب ما حلّ بالبلاد. يدعو هؤلاء، وهم خليط من يسار علماني كسيح وقومية شوفينية تسلطية وفئات شعبية واسعة انتهازية إلى هذه الأطروحة، وهم بذلك على مرمى حجر من أطروحات "داعش" التي تكفر بكلّ هذه البدع الغربية.

يعلق بعضهم على الدستور الجديد آمالاً خرافية، فهو الذي سينقل البلاد من حالة الفساد المتوحش إلى السعادة الخيالية التي ستملأ البلاد عدلاً وسلاماً، بعدما ملئت جوراً وظلماً. تشتغل دعاية الرئيس قيس سعيّد على نحو خلاصي. يشير هو، في خطاباته العديدة، إلى أنّ الله اجتباه، وأنّ التاريخ اصطفاه لرسالةٍ عرضت على الجبال فخرّت، وحلت به امتحاناً واختباراً.

كانت ثقافة التونسيين استثناء في محيطها: شدة الإيمان بقدرة المجتمع المدني، والنخب عموماً، على التغيير. يعود هذا إلى ماضيهم القريب، وأيضاً إلى مكانة المدرسة والتعليم في تشكيل النخب الوطنية وأهمية الوعي. كان التونسيون هيغليين أكثر من اللزوم، يؤمنون بالفكرة والدولة .. رغم أنّ نخباً منهم عوّلت على الطبقات لتغيير واقعهم، غير أنّ هذه الأخيرة ظلت تناوش وتعارض، فيما تمكّنت النخب الحقيقية من بناء الدولة الوطنية، وحرّرت المرأة وخططت للبلاد ونشرت التعليم، إلخ. غير أنّ الرئيس سعيّد يأتي من خارج هذه القناعات الوطنية، وها هو يقدم سردية مغايرة تماماً لكلّ ما قرأناه من تاريخنا. لا يُنكر أحد منا أننا أصبنا بدوار حاد، وانهارت كلّ القناعات أو جلها التي تربينا عليها.

مع ذلك، رغم كلّ التفاؤل الساذج بالدستور الجديد الذي سيعبر بالبلاد إلى جمهورية جديدة، نتصارع في منحها الرقم الصحيح، إن كانت هل ستصير الثالثة أم الرابعة؟ لا تعني هذه الأرقام شيئاً، لكن اليوم، 25 جويلية (يوليو/ تموز) ليس عبوراً إلى مرحلة تذهب إليها تونس وهي مشتّتة مفتتة منقسمة. يحدث الانقسام، هذه المرّة، عمودياً. لا ثوابت مشتركة تجمع التونسيين، لا تاريخهم القريب أو البعيد ولا مستقبلهم. إلى أين هم ذاهبون؟ إلى جمهورية سنعيشها بصلاحيات فرعونية، منحها الرئيس لنفسه عبر دستوره الذي صاغه بنفسه. لم يوافق الرئيس على أن يقلص من اختارهم من دوائره المقرّبة ذرّةَ من صلاحياته، حتى إذا قرأ مشروعهم حاصرهم ونشر مشروعه الخاص كما اشتهاه دستوراً يمنح الرئيس صلاحيات إمبراطور القرن السابع عشر، قبل أن يبدأ مونتسكيو وروّاد التنوير السياسي الحديث في تلجيم السلطان.

سيكون لتونس دستور جديد، ولو جاءت نسب الإقبال ضعيفة، وهي الحالة الأرجح. مع ذلك، لن يحل مشكلات البلاد، بل سيزيد من تفاقمهما. سيبادر الرئيس إلى ضم أنصاره من الأحزاب والجمعيات التي ناصرته ودعت إلى التصويت بنعم في الاستفتاء المهزلة إلى تشكيلة الحكومة المقبلة، حتى يعطي الانطباع أنّ البلاد تعبر مع الدستور من حالة سياسية إلى حالة جديدة تتسع للاختلاف، وتأخذ بالاعتبار رسائل الاستفتاء كما فهمها الرئيس طبعاً.

مع ذلك، سيظل الانقلاب يعاني من عقد عديدة لن يبرأ منها مطلقاً، ثم عقدة ما ستظل تسكن قادة المرحلة المقبلة، ستنكشف أكثر حين تشتد الأزمة القادمة، وهي اقتصادية سياسية في المقام الأول. لا أحد ينتبه إلى ارتفاع الأسعار الجنوني وندرة الموارد الغذائية، تحت تأثير الحرب الأوكرانية الروسية. وقد يمنح الصيف، بعطلته الطويلة، فرصة للنظام المزهو بـ"نجاح الاستفتاء" النجاة من المحاسبة والاحتجاج، لكن هذه الوضعية مؤقتة، ولن تدوم. لا يمكن تماماً توقع خريف غضب تونسي، لكنّ شتاءً بارداً لن يخلو من عواصف هوجاء إذا استمر ضعف المقدرة الشرائية للناس وسوء الخدمات .. هل تقدر نخب الدستور الجديد على تجاوز الوضعية المتوقعة؟ ستتقارب النخب المعارضة لقيس سعيّد وللدستور، كلما ارتكب النظام السياسي حماقات المنقذ المخلص الأوحد.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".