تونس .. تشريعُ الاستبداد سقوطُ المستبدّ
أيلول 30, 2021

عبدالله جنوف

استطاع الرئيس التونسي، قيس سعيّد، أن يمرّ إلى المرحلة الثانية من انقلابه، وهي إنهاء الحالة الاستثنائيّة وإعلان الأحكام الانتقاليّة. ولا قيمة للحديث عن عبثه بالدستور أو إلغائه، وعن فقدانه شرعيّته بعد هذا الإلغاء، وعن حنْثه اليمين على احترامه، وحلّ البرلمان، وإقامة الحكم الفرديّ المطلق .. فكلّ ما كان من جنس هذا الكلام جدل نظريّ، لا أثر له في دفع الأمر الواقع الذي فرضه رئيسٌ لا يؤمن بالحوار ولا يعترف به.

وخلاصة الأحكام الانتقاليّة أنّ سعيّد جمع في يده كلّ شيء، وصار حاكما بأمره في شؤون البلاد كلّها لا يعترض عليه أحد، ولا يعقّب على قراراته أحد، وأنّه ماضٍ في مشروعه لمحو الديمقراطيّة التمثيليّة و"تأسيس نظام ديمقراطي حقيقيّ" كما جاء في الفصل 22 من الأحكام الانتقاليّة. ولم يترك لأحد إلّا أحد خيارين: المساندة المطلقة والطاعة التامّة أو المعارضة المطلقة. ومهّد لهذه النتيجة، في جميع خطاباته السابقة، بتقسيم التونسيّين إلى صادقين يؤيّدونه ومتآمرين خونة يعارضونه. واستطاع أن يصل بالانقسام الشعبيّ إلى أقصى مرحلة قبل المواجهة والانفجار، فأصبح الصراع الحقيقيّ اليوم صراعا بين مشروعين: مشروع قيس سعيّد، وهو استحضار انفعاليّ لما فشل في دول غنيّة في القرن العشرين (ليبيا مثلا)، والثاني مشروع الديمقراطيّة التونسيّة التي هي خلاصة تجربة التونسيّين منذ قيام الجمهوريّة.

نجاحُ سعيّد المؤقّتُ في مشروعه ينقذه من تهمة التراخي في إصدار القرارات بعد انقلاب 25 يوليو/ تموز، إلّا أنّه يضعه وجها لوجه مع الشعارات التي برّر بها سياسته كلّها منذ انتخابه في 2019، وأهمّها أربعة: حفظ كيان الدولة واستمرارها؛ ومقاومة الفساد؛ وإنهاء انحراف الديمقراطيّة التمثيليّة؛ وتأسيس ديمقراطيّة حقيقيّة تعبّر عن سيادة الشعب وإرادته. وليس أحد منها مضمونا، فالدولة مهدّدة بالإفلاس، والشعب منقسم انقساما يمكن أن ينقلب تقاتلا واضطرابا، وآخر علاماته إقدام أنصار سعيّد على حرق دستور البلاد يوم 25 سبتمبر/ أيلول الحالي، فهو في نظرهم دستور الفاسدين، ولا يمثّل سيادة الشعب. وقد سبق للرئيس أن تحدّث عن المال الفاسد وشراء الذمم عند كتابته، ثمّ انتهكه بتأويلٍ متعسّف، وانتهى إلى إلغائه، فمهّد بذلك للاعتداء الرمزيّ بإحراقه. أمّا مقاومة الفساد فلا يمكن أن يقوم بها رئيسٌ ليس له أحزاب قويّة تدعمه، ولا مشروع سياسيّ توافق عليه أغلبيّة المواطنين، ولا تأييد شعبيّ حقيقيّ يطلق يده لضرب الفاسدين، ولا استراتيجيّة لتفكيك شبكات الفساد المعقّدة المسيطرة على الاقتصاد والسياسة في تونس، ولمعالجة ما يترتّب على محاربتها من نتائج. فلذلك لم ير الناس من مقاومة الفساد إلّا الاستعراض الليليّ والحزم الخطابيّ.

ولعلّ أهمّ ما نجح فيه سعيّد هو تعميق أزمة التجربة الديمقراطية، فركّز كثيرا على اضطراب أداء البرلمان، وبالغ في وصف فساد الأحزاب، وقلّل من إنجازات الانتقال الديمقراطيّ، وجعل من أخطاء التجربة مدخلا إلى تبرير الإجراءات الاستثنائيّة التي أعلنها في 25 يوليو/ تموز، وتبرير القضاء على الديمقراطيّة التمثيليّة، فبدت قراراته لجمهور من المواطنين إجراء ضروريّا لاستعادة هيبة الدولة وإنقاذ البلاد. وهذه النتيجة هي أخطر ما استطاع سعيّد تحقيقه، وهي التي تجرّد الانتقال الديمقراطيّ عند مواطنين تونسيين كثيرين من معقوليّته وفوائده، وتجعل إقناعهم بضرورة الديمقراطيّة وبأنّ فكرتها وممارستها تتطوّران بالأخطاء مهمّةً عسيرة أو مستحيلة. ولا فائدة حينئذ من الانهماك في جدل الديمقراطيّة والدستور والاضطهاد والاستبداد، والدفاع عن نوّابٍ وصلوا إلى البرلمان بأصوات المواطنين، ثمّ انقطعوا لمعاركهم الهامشيّة وحياتهم الخاصّة، وسكتوا ولزموا بيوتهم بعد الانقلاب، ولا معنى للدفاع عن سياسيّين جثموا على قلوب أحزابهم وأنهكوا الشعب بتكتيكهم وعجزهم. وأضعف ما في تجربة قيس سعيّد نقطتان:

الأولى، أنّه لا يملك برنامجا، كما قال هو نفسه في حملته الانتخابيّة/ التفسيريّة، فكلّ خطّة عنده بنتُ ليلتها أو بنت لحظتها. ولو كان له برنامج لعبّر عنه في جمل سياسيّة متطوّرة من يوم انتخابه، أو على الأقلّ منذ 25 يوليو، ولكنّه ظلّ يردّد حديثا واحدا تتكرّر فيه عبارات ثابتة: مشروعيّة لا شرعيّة، استثناء لا انقلاب، احترام الدستور، الحقوق والحرّيّات محفوظة، لا بدّ من تصوّر جديد، .. إلخ. ولذلك يحتاج، في كلّ خطاب، إلى سبّ خصومه، وتسميتهم متآمرين وفاسدين وخونة، ويستعين بالمجاز والاستعارة لاستمالة الأنصار. وأمّا في الواقع فلم يتغيّر شيء في مواجهة انتشار الفقر واستفحال الفساد وارتفاع الأسعار.

والثانية أنّ منوال الرئيس سعيّد ليس سياسيّا، بل هو منوال مهدويّ، فيه زعيم معصوم (الفصل 7: مراسيم الرئيس لا تقبل الطعن بالإلغاء)، وأتباع مطيعون، وعلْم كالوحي والإلهام، وكلام مسجّع، وقرارات وجدانيّة تنكشف فجأة بعد نشوة. وفيه إظهار الإصلاح وإضمار الاستبداد. وهذا كلّه مُجاز في حالة الرئيس، إذ ليس له من هذا المنوال إلّا السجع والبطولة الخطابيّة.

هاتان النقطتان تبرزان أكبر خطئين وقع فيهما الرئيس: الانقلاب وتشريع الاستبداد، فبالانقلاب ادّعى دورا لم يستعدّ له ولا يستطيعه، وبه أصبح ناقلا لحساب الغير، بعدما كان قادرا على إبداء مهارته وإنجازاته في حدود صلاحيّاته الدستوريّة، وبه عمّق الانقسام الشعبيّ بعدما كان قادرا على الجمع، وبه شرع في نقض شرعيّته الفعليّة بمشروعيّةٍ وهميّة. وبتشريع الاستبداد المطلق، نبّه التونسيّين إلى خطورة مشروعه، وجمعهم على مقاومته، كما بدا في مسيرة الأحد، 26 سبتمبر/ أيلول، التي يمكن أن تكون بداية السقوطيْن: سقوط الانقلاب بالإرادة الشعبيّة التي عبّر عنها الشعار الجديد: "الشعب يريد ما لا تريد"؛ وسقوط المنظومة السياسيّة الفاشلة التي حكمت من 2011 إلى 2021، وبداية التأسيس الديمقراطيّ الجديد: دولة مدنيّة، ومؤسّسات دستوريّة قويّة راسخة، وقانون يحفظ الحقوق والحرّيّات، وما يعنيه ذلك من مراجعات كبيرة للقوانين والدستور.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".