تونس تناهض التطبيع ولو كره المطبّعون.
كانون الأول 28, 2020

المهدي مبروك.

في مناخ الهرولة إلى التطبيع والتفاخر به، على اعتباره منجزا يستحق الإشادة في صفاقةٍ لم نشهدها مطلقا، سيبدو أن مجرد الهمس بالامتعاض منه، أو حتى الاستياء، شجاعة نادرة وجرأة خارقة للعادة. خرج المطبّعون، أنظمة وهيئات ومؤسسات وشخصيات، عن واجب التحفظ، وكشفوا كل أوراقهم من دون خجل. غدا التطبيع، في الأسابيع القليلة الفارطة، مفتوحا على كل الصفقات والمزايدات، ففي الموجة الحالية من التطبيع التي تجري أمام العدسات مباشرة، يبدو أن منصّات إسناد غير مألوفة تشتغل وفق كثير من الكفاءة والحرفية العالية، لصقل الدلالة وترتيب التوضيب والإخراج الركحي (المسرحي)، ضمانا للفرجة والإثارة والبهرج والإقناع. كان المطبعون الأوائل مثلا لا يعلمون عن تطبيعهم سوى أيام معدودة قبل الحدث، لتتكفّل الغرف المظلمة بكل التحضيرات والاستعدادات.

يبدو أن استراتيجيات التطبيع وإخراجه مشهدا "يليق بالمطبّعين" قد غدوَا رهانا تريد الأنظمة التي تسارع إلى الهرولة ربحه وترويجه نموذجا للنجاح السياسي والدبلوماسي. ثمّة ما يشبه عدوى التطبيع التي يُراد لها أن تصيب جميع الأنظمة، بل يحرص مهندسو التطبيع وأياديهم الخفية على التسريع به مقابل صكوك غفرانٍ عديدة.

يقدّم المغرب دليلا ساطعا على هذا الرهان، إذ يبدو أن اختياره للانخراط في هذه الاستراتيجية قد تم حبكه بعناية فائقة، فبالإضافة إلى عوامل تاريخية "رشّحت" هذا البلد العربي إلى أن يكون منجذبا الى التطبيع، فإن الرهان عليه يرتكز على ركنين: توريط حركة إسلامية حاكمة في مسار التطبيع، وذلك لكسر جميع الصور المسبقة والمحرّمات السياسية التي استقرّت خلال العقود الأخيرة، والتي تجعل الإسلام السياسي/ الحركي مناهضا للتطبيع، حتى يبدو الإسلام "المطبّع" معتدلا، والإسلام غير القابل للتطبيع إرهابا. ولا غرابة أن تسود هذه السردية في السنوات القليلة المقبلة من أجل حمل البلدان العربية على مزيد من التطبيع.

ضمن هذه الاستراتيجية ذاتها، تم انتقاء السودان أيضا بعناية فائقة لضمّه إلى مخيم التطبيع هذا، لعدة أسباب، لعل أهمها نقاط الهشاشة الجيوسياسية التي جعلت خاصرته رخوة. لقد تم استثمار إدراج هذا البلد ضمن قائمة الإرهاب من أجل مقايضة محو اسمه من هذه القائمة مقابل الاعتراف بالكيان الإسرائيلي تماما كما تمت مقايضة المغرب بالاعتراف بإسرائيل مقابل الاعتراف بمغربية الصحراء، فالتطبيع السوداني هذه المرّة "يبرّر" بحاجة قادة "الثورة" الجدد إلى المال من أجل شراء السلم الاجتماعي، وإطالة المدة الانتقالية من دون عودة "الثورة المضادة" (رموز النظام القديم). يجري التطبيع السوداني من أجل البرهنة، مرّة أخرى، أن إحدى الثورات العربية طبّعت مع الكيان الإسرائيلي. والغريب أن من يتهمون الربيع العربي بأنه ربيع عبري لا ينبسون بأي موقفٍ مناهضٍ لتطبيع السودان مع إسرائيل، لكون قوى التغيير يسارية تقدّمية.

سيظلّ خصوم الثورة التونسية وأصدقاؤها ينظرون إليها ويترقبون موقفها من التطبيع، لأكثر من سبب، لعل أهمه ما يشاع عن حجم الضغوط التي تمارسها بعض الأوساط الدبلوماسية، مستغلين الأزمة الاقتصادية الحادّة التي تمرّ بها البلاد. ليس من المهم استحضار موقف تونس، أنظمة وشعبا، من القضية الفلسطينية، وهي التي احتضنت المقاتلين الفلسطينيين، صحبة قيادتهم، صيف سنة 1982، حين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وهي التي اختلطت دماء أبنائها أيضا مع الفلسطينيين في حمام الشط سنة 1985. ولكن يبدو أنه من المهم الانتباه إلى مناعة المجتمع المدني التي ستشكل جدارا سميكا لا يمكن للتطبيع أن يخترقه، فقبل أيام بادر الاتحاد العام التونسي للشغل، صحبة عدة منظمات وطنية عتيدة، إلى إدانة التطبيع ودعوة الدولة التونسية إلى سن قانون يجرّمه، عازمة، في الآن نفسه، على فضح كل الضغوط الدولية التي تمارس على البلاد، من أجل حمْلها على التطبيع. ولا شك أن المنظمات تلك تتحرّك في فضاء رمزي، يمتح من خطاب الرئيس قيس سعيد الذي ظل يردّد أن التطبيع خيانة، على الرغم من امتعاض بعضهم من صمته على التطبيع الجاري حاليا.

في هذه الأشهر العسيرة، أصبحنا نكتم الأنفاس، خشية أن تنزل علينا أخبار التطبيع من دولة عربية أخرى. يرشّح الناس بلدانا عربية ستنضم إلى قافلة المطبّعين، ويحجزون لها مقعدا في هذا القطار الذي يبدو أنه يسير نحو محطّات قادمة موحشة. أحجمت أغلب الأنظمة العربية عن إدانة التطبيع، وذهبت إلى اعتباره مسألة سيادية. وفي هذا الخطاب السيادي كثير من النفاق، لأنه ينسف الحد الأدنى من الانتماء المشترك إلى أمة واحدة، أو حتى جماعة واحدة لها قضايا مشتركة. من ينتظر ركوب تونس قطار التطبيع يخطئ في قراءة الأحداث، ويغفل أهمية المجتمع المدني في مكافحة هذه الأطروحات.

ستظل تونس في منأىً عن التطبيع الرسمي لصلابة المجتمع المدني ومساحة الحرية والديمقراطية التي كسبها بفضل الثورة. وليس من المصادفة أن تتجرأ النظم الاستبدادية على التطبيع. سيعزز هذا المجتمع المدني، أينما وجد حرّا، من قدرة الشعوب على مناهضة التطبيع، حتى لو طبّعت أنظمتها.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".