تونس ساحة صراع قوى دولية
آب 09, 2021

تقادم الخطيب
حينما جاء الرئيس التونسي، قيس سعيّد، إلى السلطة في العام 2019، كتبتُ مقالا عن المشكلات التي ستواجه تونس مستقبلا، كانت أهم النقاط فيه أن هذه هي المرة الأولى التي تتحوّل فيها تونس إلى النظام البرلماني، ولأن الرجل لا ينتمي إلى حزب سياسي فستكون هناك أزمة حقيقية في عملية اتخاذ القرار، وقد يؤدّي هذا إلى وجود نزاع بين صلاحيات رئيسي الدولة والحكومة، وسيسبب هذا أزمةً بين الأجهزة الأمنية التي قد تحتار في ولائها للرئيس أم لرئيس الحكومة. هذه كانت أهم ثغرة بالنسبة إلي، ووجدت فيها خطرا أن ينشأ صراع بين الطرفين، بين الرئيس الذي سيستميل الأجهزة الأمنية، وبين حزب الأغلبية الذي يريد أن يهمّش دور الرئيس. وقد استفادت من هذا الصراع الثورة المضادّة في المنطقة التي جعلت من أجندتها السياسية محاربة الإسلاميين، أينما وجدوا، وهنا بالتحديد أقصد الإمارات والسعودية والنظام المصري. إلى جانب وقوع تونس والجارة الليبية في قلب الصراع السياسي بين فرنسا والولايات المتحدة التي نراها مشغولةً بمصيري تونس وليبيا، بقدر انشغالها بقطع الطريق على حلف صيني روسي يحاول التسلّل إلى أفريقيا، السوق الاستثماري الواعد في المستقبل. هيمنة فرنسا التاريخية في تونس، وصراعها مع الولايات المتحدة حول هذا النفوذ، جعلاها تضع يدها في الحلف الروسي - الصيني، والتخلّي عن شركائها الأوروبيين الذين لا يطمئنون لوجود أي تمدّد روسي خارج روسيا، وبالتحديد الألمان الذين يرفضون الدور الذي تلعبه فرنسا في ليبيا وكذلك في مالي، ومحاولاتهم المستمرّة في إطفاء الحرائق التي تقوم بها فرنسا.
ولذلك حينما حدث ما حدث في تونس، سارعت برلين بالقول إنّ "من المهم الآن العودة بسرعة إلى النظام الدستوري"، وطالبت جميع الأطراف بـ"ضمان الامتثال للدستور في تونس وتطبيقه"، موضحةً أن هذا يشمل أيضا الالتزام بالحريات التي تعد من أهم إنجازات الثورة التونسية. وأضافت المتحدثة باسم الخارجية الألمانية أن الوضع في تونس يؤكد الحاجة الملحّة إلى معالجة الإصلاحات السياسية والاقتصادية بسرعة "لا يمكن أن ينجح هذا إلا إذا عملت جميع الأجهزة الدستورية معا بشكل بناء"، مؤكّدة ضرورة استعادة قدرة البرلمان على العمل بسرعة. وأكدت المتحدّثة أن "تونس قطعت شوطا جيدا، بل رائعا في السنوات الماضية"، مضيفة أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السلمية الماضية أظهرت أن "الشعب التونسي يريد الديمقراطية، وكذلك أن الديمقراطية ترسّخت في تونس منذ 2011".
قبل أن يتخذ الرئيس قيس سعيّد قراراته أخيرا بشأن تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه وإقالة الحكومة، كنت أرى الصراع الدائر بين الرئيس والحكومة وتعطيل إنشاء المحكمة الدستورية وما تبعه من أزمة أداء الوزراء اليمين، جزءا من الصراع الدولي الدائر في تونس، ففرنسا تود الإبقاء على تونس ضمن نطاق نفوذها التاريخي.
تونس الآن أمام مسارين لا ثالث لهما. الأول أن ينجح الانقلاب الذي قام به الرئيس قيس سعيّد، والمدعوم خارجيا، ويوطّد أركان سلطته، من خلال حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، تعديل القانون الانتخابي، تعديل قانون الاحزاب السياسية، وتعديل الدستور والتحول إلى نظام رئاسي عبر استفتاء شعبي. نجاح هذه الخطة يعني الانقضاض على المكاسب التي حققتها الثورة التونسية والعودة إلى الحالة البورقيبية. وحتى لو نجحت تلك الخطة فهناك عدة عقبات ستواجه قيس سعيّد، وقد تكون سببا في إطاحته فيما بعد، فكما أشرت هو لا ينتمي إلى أي حزب، كما أنه ليس متغلغلا في الدولة التونسية، وغير قادر على التحكّم في مفاصلها، فهو يريد أن يتكئ على الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية التي كانت الجسر الذي عبر من خلاله زين العابدين بن علي إلى السلطة. لكن ولاءها، في النهاية، لن يكون له.
يتبقى موقف الجيش، والذي يبدو أنه انحاز إلى ما فعله الرئيس جزئيا في منع رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، من دخول البرلمان، ومنع صحافيين من دخول مبني التلفزيون. ولكن الرجل لن يكون قادرا على إحكام قبضته على السلطة، وهذا سيفتح الباب للأجهزة الأمنية لتدخل المعترك السياسي، وتتولي زمام الأمور. وهنا بالتحديد أقصد الجيش التونسي الذي استدعى قيس سعيّد قيادته، واتكأ عليه، ظنا منه أنه سيكون المعول الذي سيقوّض به الديمقراطية الناشئة. يقول بعضهم إن الجيش التونسي لا يشبه الجيشين، المصري والجزائري، ليستولي على السلطة. ويبدو أن هؤلاء لا يدركون طبيعة الجيوش في العالم العربي، والتي لديها شهية مفتوحة للاستيلاء على السلطة، ما إن تسنح لها فرصة بذلك. وهنا سيكون النموذج الجزائري الأقرب إلى التحقق، بمعنى استيلاء الجيش على السلطة على الطريقة الجزائرية. ولو حدث هذا فسيكون له تأثير على مسار التحول الديمقراطي في المنطقة العربية على مدى العقدين المقبلين. وإشكالية ما يحدث في تونس أنه تقاطعات لصراع دولي وإقليمي، ففي وقتٍ تخشي فيه الجزائر من وجود الإمارات ومصر على حدودها في تونس على الطريقة الليبية، وهو ما عبرت عن رفضه مرارا وتكرارا، وهو الموقف نفسه الذي أدركه المغرب، أن هناك خطرا داهما يهدّده لو نجح ما يحدث في تونس، وهو ما جعل الملك محمد السادس، في خطاب العرش، يوجه دعوة إلى الجزائريين للتقارب ومحاولة القضاء على الخلافات بينهما.
المسار الثاني أن يفشل هذا السيناريو الذي يسعي قيس سعيّد ومن يدعمه إلى تنفيذه، وسيكون ذلك عبر عدة مؤسسات مختلفة، خصوصا مؤسسات المجتمع المدني، والتي في الواقع لا يعوّل عليها كثيرا، لكنها قد تلعب دورا مهما في إفشال هذا الانقلاب، خصوصا إذا عبر الشعب عن رفضه ذلك، وخرج إلى الشوارع، وهذا ما يعني أن هناك فرصة لإنقاذ الديمقراطية التونسية الناشئة من خلال الشعب... أيُّ المسارين سينجح؟
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".