تونس .. قفزة في الفراغ
تموز 29, 2021

محمد أحمد بنّيس
لم يُجانب الرئيس التونسي الأسبق، المنصف المرزوقي، الصواب، حين قال، في تعليقه على الانقلاب الذي قاده الرئيس قيس سعيّد: ''إنّ هناك قراراً إقليمياً، وربما هو دولي، بتصفية الربيع العربي''. والواقع أنّه يصعب فصل ما جرى في تونس، يوم الأحد الماضي، عما شهدته المنطقة منذ الانقلاب الذي قاده العسكر في مصر قبل ثماني سنوات. وعلى الرغم من أنّ ما حدث في تونس يبقى وثيق الصلة بالانحباس السياسي الذي تشهده منذ مدة، لا يمكن القفز على دور القوى الإقليمية، المعنية بتجفيف منابع الربيع العربي، في إنضاج الحدث التونسي، إذ لم يدّخر التحالف الإماراتي - السعودي - المصري جهداً، على مدار سنوات، لإجهاض التجربة الديمقراطية التونسية، باعتبارها منبع ''عدوى الديمقراطية'' التي أصابت المنطقة، ودفعت شعوبها إلى الخروج إلى الشارع والمطالبةِ بالحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
لا يعني ذلك، بالطبع، استبعاد العوامل الداخلية في تفسير هذا الحدث، لا سيما في ما يتعلق بإخفاق الطبقة السياسية التونسية في الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الذي طبع التجربة في بدايتها، وفشلِ حركة النهضة في إعادة تركيب بنيتها وتحديث خطابها، وغيابِ برامج مستعجلة وعملية للحدّ من الاحتقان الاجتماعي. تُضاف إلى ذلك الثقافة السياسية التقليدية التي تنهل منها مختلف مكونات هذه الطبقة، والتي تقوم على الغلبة والثأر والمكايدة الإيديولوجية. هذا على الرغم من أهمية الطبقة الوسطى والحسِّ المدني المتقدّم، نسبيا، لدى فئات واسعة داخل المجتمع التونسي وقوة المجتمع المدني. وفي الوقت الذي كان يُفترض أن يشكل الذود عن التجربة الديمقراطية محطَّ إجماع بين التونسيين، تحولت هذه التجربة إلى مصدر رئيسٍ لتغذية الانقسام السياسي والاجتماعي. ولا شك أن تعطيل كتلة الحزب الدستوري الحر جلسات البرلمان، وعدم تنصيب المحكمة الدستورية، والنزعة السلطوية والشعبوية التي ما فتئ يُبديها الرئيس الحالي، وتعمّده تسفيه العمل الحكومي النيابي والحياة الديمقراطية أمام الرأي العام، ذلك كله أوجد انطباعا لدى التونسيين بلا جدوى الديمقراطية التي عجزت، في نظرهم، عن تحسين ظروفهم المعيشية. ويمكن القول إنّ الاحتقان الاجتماعي والسياسي وصل إلى حدٍّ لم يعد في وسع المنظومة السياسية التي أفرزتها الثورة تحمله، خصوصا أمام الاستقطاب الحزبي والإيديولوجي غير المسبوق. ولعل هذه كانت الثغرة التي رأى فيها قيس سعيّد فرصة لتقويض الحكم الديمقراطي، واستبدال الشرعية الدستورية بشرعيةٍ شعبويةٍ مشبوهةٍ تفتقد سندها الدستوري والسياسي، فيما يشبه قفزةً في الفراغ.
حدث الانقلاب وأصبح واقعاً، فماذا سيكون مآله في ظلّ المواقف التي عبرت عنها القوى السياسية التونسية والدولية؟ يبقى الجيش التونسي الحلقة المفصلية في ما سيؤول إليه الوضع خلال الأيام المقبلة. صحيحٌ أنّه لم يُبدِ، إلى غاية كتابة هذه السطور، أيّ موقف رسمي، إزاء ما حدث، لكن من المرجّح أنّه لا يرى مانعاً في ما اتخذه الرئيس من تدابير وقرارات. ويمكن اعتبار ذلك بمثابة وقوفٍ في منتصف الطريق، بمعنى أنّ الجيش لا يريد تبديد الرصيد الرمزي، الذي حازه بعد ثورة 2011، في مغامرةٍ غير محسوبةٍ من رئيس تعوزه الخبرة وبعد النظر، لكنّه في الوقت نفسه غير مستعدّ للذهاب مع هذا الرئيس إلى حد تغيير المنظومة الحالية بأخرى قد تكون مكلفة، وبالتالي يفضل، في ما يبدو، مراقبة الوضع في انتظار ما ستفرزه الأيام المقبلة. ولعلّ ما يرجح ذلك موقف الاتحاد التونسي للشغل الذي أكد ''حرصه على ضرورة التمسّك بالشرعية الدستورية في أي إجراء يُتّخذ لتأمين احترام الدستور واستمرار المسار الديمقراطي'' وهو موقفٌ، علاوة على أنّه يبدو أقرب إلى خيار التمسّك بخيار الديمقراطية، ينبغي النظر إليه في ظلّ الوزن التاريخي والسياسي والاعتباري للاتحاد.
تواجه التجربة الديمقراطية في تونس اختباراً عسيراً ومفصلياً، ذلك أنّ فشل الانقلاب سيعني الكثير لكلّ من يؤمن بإمكانية تطبيع دول المنطقة وشعوبها مع الديمقراطية. أما نجاحه، فسيعني الكثير، أيضاً، بالنسبة لمنطقةٍ يُراد لها أن تبقى أسيرة الاستبداد والفساد والتبعية.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".