حدود الغزو الروسي لأوكرانيا
آذار 04, 2022

بشار نرش

سيبقى الرابع والعشرون من فبراير/ شباط 2022 محفوراً في ذاكرة العالم، خصوصاً الأوكرانيين الذين يحبسون أنفاسهم هذه الأيام من جرّاء هستيريا الحرب التي يصعّد أوارها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وطاقمه. في هذا التاريخ، بدأت القوات العسكرية الروسية غزوها الأراضي الأوكرانية، في تطوّر عسكري وسياسي كبير، يتجاوز بتأثيراته التدخلات العسكرية الروسية السابقة، سواء في كوسوفو والشيشان عام 1999، وفي جورجيا 2008، وشبه جزيرة القرم 2014، وسورية 2015، فالعالم، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا لن يكون كما قبله، خصوصاً في حال نجاح بوتين في إخضاع أوكرانيا، والانتقال إلى مرحلة أخرى في سياق عمليّة استعادة موقع لروسيا شبيه بذلك الذي تمتّع به الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالميّة الثانية. وفي خضم هذا الحدث الكبير، ثمّة تساؤلاتٌ عديدةٌ لا يستطيع المراقب تجاوزها، يتصل بعضها بأهداف الغزو الروسي لأوكرانيا، في حين يرتبط بعضها الآخر بحدود هذا الغزو وخياراته العسكرية.

وعلى الرغم من أنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لم يجهد نفسه كثيراً في البحث عن ذرائع للغزو، والتي حدّدها في خطاب إعلانه الحرب على أوكرانيا بهدفين، نزع سلاح أوكرانيا وتدمير قدراتها العسكرية، ومحاسبة المسؤولين الذين استهدفوا المدنيين الروس بعد إعلان انفصال منطقتي دونيتسك ولوغانسك، إلا أنّ القراءة المتأنية لتطورات الغزو وأحداثه تظهر وجود مستويين للأهداف الموضوعة من روسيا في غزوها الأراضي الأوكرانية: الأول يمكن وضعه ضمن الحدّ الأعلى للأهداف، ويشمل السيطرة على كامل الأراضي الأوكرانية لإسقاط حكومة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، والمجيء بنظام جديد يكون حليفاً لموسكو وتابعاً لها، كما هو الحال مع بيلاروسيا التي جعلها دولة تابعة له. وفي إطار هذا الحد، يمكن الحديث عن سيناريوهين: الأول تقسيم أوكرانيا إلى ثلاثة أجزاء، يضم الأول مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك شرق البلاد، اللتين اعترف بهما بوتين بوصفهما دولتين مستقلتين. والجزء الثاني يضم قسما من الأراضي الأوكرانية ويخضع لسيطرة روسية فعلية. ويضم الجزء الثالث منطقتي إيفانو- فرانكيفسك ولفيف غرباً، اللتين تُعدّان معقلاً للمشاعر المؤيّدة لأوروبا وستتركان وشأنهما. السيناريو الثاني هو الإعلان عن تشكيل اتحاد سلافي ثلاثي يضم، إلى جانب روسيا، كلا من أوكرانيا وبيلاروسيا، على اعتبار أنّ الدول الثلاث آنفة الذكر تشترك في انتمائها للعرق السلافي الشمالي.

المستوى الثاني، وهو الذي يمكن وضعه ضمن الحد الأدنى للأهداف، ويتركّز، بشكل أساسي، في فصل أوكرانيا عن مناطق ما يمكن تسميتها "روسيا الجديدة"، أي المناطق الأوكرانية التي يغلب على سكانها الناطقون بالروسية. وضمن هذه المناطق، تقع دونيتسك ولوغانسك وخرسون ونيكولاييف وأوديسا وزابوروجي ودنيبروبتروفسك وخاركوف، إلى جانب العاصمة كييف. وتهدف روسيا من هذا الحد الأدنى للأهداف إلى منع سقوط أوكرانيا في يد الغرب وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال خلق منطقة حماية عازلة بينها وبين أوروبا، بعد تمكّن الحلف من إحاطة روسيا بحائط دفاعي صلد يضم 14 دولة كانت تحت النفوذ السوفييتي سابقاً، ولم يتبق على الحدود الغربية لروسيا سوى أوكرانيا وبيلاروسيا اللتين لم تصبحا عضوتين في "الناتو". وضمن هذا الحد أيضاً، يمكن الحديث عن رغبة روسية في جعل أوكرانيا منزوعة السلاح ومتوافقة مع موسكو، مع رغبة روسية في كسر شوكة الشعب الأوكراني الذى أسقط مرتين في عامي 2004 و2014 الساسة الأوكرانيين المدعومين من بوتين شخصياً.

وبعد مضي أكثر من أسبوع على بدء الغزو الروسي، لم يكشف بوتين عن خططه النهائية، لكن المسؤولين الغربيين يعتقدون أنّه مصمّم على إطاحة حكومة أوكرانيا واستبدالها بنظام خاص به. ويتصف هذا المسار، حسب تقارير بحثية غربية عديدة، بالمخاطر وعدم اليقين بالنسبة إلى روسيا، على اعتبار أنّ السؤال الجوهري الذي سيفرض نفسه هنا ليس من سيفوز بالحرب، في ظل تفوّق الجيش الروسي على أوكرانيا، وإنما يتعلق بما سيحدث بعد الحرب، أي أنّ المعضلة الكبرى هي كلفة الاحتفاظ بالسيطرة عليها مع مرور الوقت، فسيطرة روسيا على كامل أوكرانيا، وإطاحة حكومة زيلينسكي، وإنشاء حكومة موالية لها وقابلة للحياة، شيئان مختلفان، حيث سيكون من الصعوبة بمكان إقامة نظام بديل قادر على السيطرة على السكان المعادين في غياب الدعم العسكري الروسي. وحتى لو وسّعت تلك الحكومة تكتيكات مكافحة الإرهاب التي يبدو أن موسكو مستعدّة لنشرها للقضاء على معارضة مخطّطاتها، فإن الاحتلال الكامل لأوكرانيا سيكون مكلفاً للغاية.

في المحصلة، يمكن القول إنّه وبغض النظر عن مستوى الأهداف الموضوعة من روسيا في غزوها الأراضي الأوكرانية، يأتي هذا الغزو، بالدرجة الأولى، ضمن طموحات بوتين في فرض توازنات جيوسياسية جديدة، ومحاولة إعادة تشكيل نظام دولي جديد، يعود فيه النفوذ الروسي إلى الحدود التي كانت قائمةً في حقبة "الحرب الباردة" بين المعسكرين، الرأسمالي والاشتراكي، فالغزو ليس نتيجة مفروغا منها، بل إنه مسار بدأته روسيا للتو، وينتظر الجميع تداعياته غير المتوقعة.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".