حزب الله وانتصاراته النيابية: صنع السلطة والتنصل من المسؤولية
نيسان 13, 2022

منير الربيع

مع احتدام الاستعدادات للمعركة الانتخابية، تصرّ جهات على تسريب أجواء أن حزب الله لا يريد الحصول على الأكثرية النيابية، لأنه لن يكون قادرًا على تحمّل تبعات الانهيار والقرارات الاقتصادية الصعبة. وترتكز وجهة النظر هذه على أن حزب الله يريد الاستمرار في شراكات سياسية مع قوى يحمّلها مسؤولية الموبقات كلها.

قوة الحزب المتعالية

قد يكون الحزب عينه مسوِّق نظرية رفضه الحصول على الأكثرية، في لقاءات مسؤوليه بشخصيات داخلية وخارجية. لكن هذا يعاكس المسار السياسي الذي يعمل عليه حزب الله منذ  مطالبته بالثلث المعطل، وصولًا إلى لحظة تحكمه بمسار الانتخابات الرئاسية وآلية تشكيل الحكومات.

وفي كلامه الأخير كان أمين عام الحزب السيد حسن نصر الله واضحًا في رفضه إلغاء أي طرف، وضوح رفضه الحصول على ثلثي المجلس النيابي. لكنه قال في المقابل إن حزبه يريد لكل طرف أن يتمثل وفق حجمه الطبيعي. وهذه العبارة كافية في دلالتها على الاختراقات التي يسعى حزب الله إلى تكريسها في المعادلة السياسية، بلا أن يتبنى مبدأ كسر الآخرين كي لا يستنفرهم.

حاكم بلا مسؤولية: تعميق الانهيار

يعلم حزب الله أنه حاصل على الأكثرية النيابية من موقعه المتعالي. فهو قادر بسطوته السيطرة على البرلمان، وبالتالي على تلك الأكثرية. وما يريده في الحدّ الأدنى هو الثلث المعطل، وبعده الوصول إلى نسبة 51 بالمئة. وهو أكثر من يعرف أن كثرة من خصومه لا يخاصمونه خصامًا مطلقًا.

حزب الله واضح في سعيه إلى أهدافه: الإمساك بالمعادلة بلا تحمّله أي مسؤولية. دفع الآخرين إلى الموافقة على القرارات الصعبة والقاسية. الالتزام بشروط خارجية للحصول على المال أو المساعدات. ولكن بلا أن يتحمّل مسؤولية ذلك كله، إنما تحميلها للآخرين.

استراتيجية حزب الله واضحة أيضًا: دعم من يريد إيصالهم إلى المناصب الأساسية. ليكون في لحظة واحدة قادرًا على القول إنه هو من وفر لهم مقومات الوصول، فيما يتهمهم بالفساد قائلًا إنه لا يريدهم. هكذا يمسك زمام المعادلة كناخب أول في الاستحقاقات الأساسية: تشكيل الحكومة وكيفية تركيبها. انتخاب رئيس للجمهورية، الساعي دومًا إلى التحكم به. وهذا ما بدا جليًا في جمعه حليفيه المسيحيين، لأنه لن يقدر على تحقيق ما يريد في حال انفجار العلاقة بينها.

هذه هي المعادلة الأصلية التي أوصلت لبنان إلى مرحلة متقدمة من الترهّل والانهيار. وحزب الله ماضٍ فيها ومصر عليها، ساعيًا إلى استدراج خصومه حيث يريد. لذا يضخم حجم الاستنفار في مواجهة عودة السفير السعودي إلى بيروت، ليوحي بأنه مقبل على تحقيق انتصار إقليمي وليس انتصارًا انتخابيًا محليًا.

معارك ضد خصم وجودي

هذا فيما يقتصر التحرك السعودي على تنسيق مع الفرنسيين والأميركيين للتعاون في تقديم المساعدات والاستعداد للمرحلة اللاحقة. وقد تهدف لقاءات السفير السعودي وليد البخاري ببعض الأفرقاء إلى تجهيز الأرضية لمرحلة ما بعد 15 أيار، تبدأ بمحاولة لملمة البيت السنّي مثلًا، والحفاظ على علاقة استراتيجية ببكركي. لذلك، لا يمكن للسعودية أن تكون في واجهة الأحداث. ولا تريد أن تكون محركًا مباشرًا لمسارات المعركة الانتخابية أو السياسية.

وحزب الله لا يمكنه أن يعيش من دون خصم. خصم يجهد في انتاجه، ساعيًا إلى أن يكون من الوزن الثقيل، لإضفاء حرب وجودية على معاركه السياسية. وبهذا يظهر أنه في حال ترفّع دائم عن ما يعتبره صغائر لبنانية، أو سياسات يومية صغيرة هو بغنى عنها، موحيًا أن مشروعه الإستراتيجي أبعد بكثير.

لذا، ادعى نصر الله أن حزبه لا يريد الحصول على الثلثين، وذكّر بحقبة انتخابات سنة 2009، مشيرًا إلى تدفق المال السعودي الذي أدى إلى تغيير المعركة آنذاك. وفي استعراضه الدائم قوة حزبه في الصمود ومواجهة المحاولات الداخلية وخارجية لتطويقه وتحجيمه، استعاد نصرالله مرحلة العام 1993 وتدخل حافظ الأسد لمنع الدولة اللبنانية والجيش اللبناني من الاصطدام بحزب الله. وذكّر بنظرية المؤامرة التي تعرض لها حزب الله في حرب تموز، وفي قرارات 5 أيار 2008.

يستعيد نصرالله وحزبه الآليات نفسها اليوم، ولكن على وقع انهيار ماحق. ولتغطية آثاره وتحمّل مسؤولياته الثقيلة، لا بد من إحالة المعركة إلى مواجهة وجودية مفتوحة مع الولايات الأميركية المتحدة والسعودية. وهكذا تستمر حملة حزب الله الدعائية والشعبوية في تحميل مسؤولية هذا الانهيار للآخرين.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".