حزب الله يستنزف المصرف المركزي.. و"العهد" في مأزق الكبير.
حزيران 13, 2020

منير الربيع.

قلب حزب الله المشهد في لبنان رأساً على عقب. فبعد تظاهرات خرجت السبت الماضي تطالب بنزع سلاحه، وبعد أشهر على التحركات في مناطق لبنانية مختلفة، اتخذت طابعاً معارضاً للحزب، تحوّل مشهد التظاهرات ليل الخميس 11 حزيران الجاري في بيروت، حسبما يريد.

حزب الله يقلب المعادلة

عاد مصرف لبنان والمصارف هدفاً أساسياً للتظاهرات. وبهذا وضع حزب الله خطّاً أسود، وليس أحمر، في وجه كل ما يطالب به الأميركيون. وفرض ذلك في جلسة الحكومة يوم الأربعاء 10 الجاري، بإقرار التعيينات التي لم تتضمن تعيين محمد بعاصيري نائباً لحاكم المركزي، لأنه مطلب أميركي.

أبلغ حزب الله رسالة واضحة إلى المعنيين جميعاً: رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة، وسواهما. وفحوى الرسالة: كل ما يطالب به الأميركيون لا بد من القيام بعكسه.

لن تتكرر تجربة عامر الفاخوري، ولا تقديم للتنازلات. والقرار هذا يضع لبنان في حال حرج كبير، لجهة العقوبات المالية والضغوط السياسية. فحزب الله يعمل على تجميع أوراق قوته كلها، ويستحوذ على المزيد منها. فبدل ضغط الأميركيين عليه للتفاوض على ترسيم الحدود والمعابر غير الشرعية، تنقلب التوجهات لتصبح أولوية المفاوضات تقنية وتفصيلية داخلية، لا علاقة لها بالاستراتيجية التي تهمه: كالتفاوض على التعيينات المالية، أو التشكيلات القضائية، أو حتى على بقاء حاكم مصرف لبنان في منصبه أم إقالته، أو بقاء الحكومة أو إسقاطها.

استنزاف دولارات المركزي

حزب الله يجمّع أوراق قوته إلى أن يحين التفاوض، فيما هو يعمل على إحراز مقومات صموده في مواجهة التحديات والضغوط: الإنجاز النوعي عنده هو رفع قدراته المالية الدولارية في مقابل انهيار الليرة.

وذلك يتم بتحويل مخزون المصرف المركزي من الدولار إلى الضاحية الجنوبية. فهدف الحزب الأساسي من تظاهرات الخميس هو استمرار المركزي بضخ الدولار في الأسواق. وهذا ما تحقق الجمعة في جلسة مجلس الوزراء، تحت عنوان تخفيف الأزمة المالية والمعيشية وحدتها.

عون وباسيل في المأزق

أخذ حزب الله ما يريده من الحكومة. وهو يقول للعالم: ما أريده يحصل. لقد كسر القرار الأميركي، ووضع خطاً أسود على أي مطلب أميركي، ليفعل ما يناقضه ويعاكسه. وقد أبلغ ذلك لكل من عون ودياب مباشرة: أُقرت التعيينات  التي اعتبرها الأميركيون موجهةً ضدهم.

لكن في المقابل ستزداد الضغوط على حزب الله، الذي يرقص على حافة الهوية، متبعا القول الشائع: عليّ وعلى أعدائي، لأن لا مجال للتراجع بعد.

يحصِّن حزب الله وضعه، فيما لبنان يهوي عارياً أكثر فأكثر. يستمر في "حلْبِ" الحكومة إلى أقصى الحدود. تاركاً رئيس الجمهورية ورئيس التيار العوني يتخبطان في عمق الأزمة، على مشارف قانون قيصر والتلويح بقانون ماغنيتسكي.

منذ مدة يحاول عون وباسيل التقرب إلى الأميركيين، وتقديم أوراق اعتمادهما ببعض المواقف. لكن منازلة كسر العظم الدائرة، لم تعد تحتمل استخدام وجهين ولسانين.

الخضوع أو الصدام

تباشير الأشهر الصعبة المقبلة على لبنان وسوريا، أفقدت حزب الله قدرته على المجاملة. لذا سيكون عون وباسيل في منزلة بين اثنتين في علاقتهما مع حزب الله:

إما الخضوع إلى تكرار تجربة إقرار التعيينات المالية التي أغضبت الأميركيين، وبالتالي خسارتهما طموحاتها وأحلامهما. وخصوصاً تلك التي يبنيها باسيل مستنداً إلى رضى أميركي، في مقابل دفعه فواتير كبيرة لأميركا.

وإما وقوع الصدام بين حزب الله وعون - باسيل. وذلك وقتما يحين دفع الأخيرين الفواتير: المطالبة الأميركية بتكثيف عمل قوات اليونيفيل في جنوب لبنان. وتكثيف الضغوط الأميركية أيضاً، لفرض مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.

حزب الله لن يتنازل لهذه الضغوط الأميركية، قبل لحظة التفاوض الإيراني الأميركي. ولن يتخلى عن ورقته هذه لعون وباسيل. فهو الذي يمتلكها ويفاوض فيها.

المعركة الجدّية بدأت الآن. ولا شيء يخفف من حدتها، ولا من وطأة الضغوط على عون وباسيل، إلا معجزة تفضي إلى التهدئة الإيرانية - الأميركية. حتى ذلك الوقت، أثمان كبيرة ستدفع على الطريق.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".