حصاد 2021 عربياً
كانون الثاني 03, 2022

سامح راشد

انتهى عام 2021 بأفراحه وأتراحه. وكما هو شأن العرب في كلّ عام، يدخلون عاماً جديداً بأمنيات وأحلام بدّدها العام السابق. وللإنصاف، لم يكن عام 2021 شرّاً كله، وإنّما حمل معه بعض خير وإن قلّ، فقد شهد تصفية نسبية للأجواء العربية العربية. تصدّرها فك الحصار الذي فرضته أربع دول عربية على قطر. والتقارب العربي مع العراق، أو بالأدقّ الاقتراب العراقي من الدول العربية وتدشين عودة بغداد إلى الحضن العربي. كما شهد الوضع الداخلي في العراق نقلة إيجابية مهمة، بنتائج الانتخابات البرلمانية التي أنتجت تراجعاً كبيراً لشعبية المكون الشيعي، الأكثر موالاة فيه لإيران. وهو تطوّر شديد الأهمية لجهة استعادة العراق توازنه الداخلي، والاقتراب، ولو نسبياً، من سيادة مفهوم المواطنة هوية عراقية جامعة، على حساب الهويات الطائفية الضيقة التي كانت مسيطرة باكتساح على الداخل العراقي.

مقابل هذه التطورات الإيجابية، حفل 2021 على المستوى العربي بجملة من التطورات، بعضها مقلق وبعضها غامض لم تتضح أبعاده بعد. مثلاً، نشبت أزمة كبيرة بين بعض دول الخليج العربية ولبنان، بسبب تصريحات للإعلامي جورج قرداحي انتقد فيها الحرب في اليمن. ولأن تلك التصريحات صدرت قبل تولّي الرجل منصب وزير الإعلام في لبنان، لم تكن سوى شرارة لإشعال الموقف و"تلكيكة" للضغط على لبنان، وتحديداً حزب الله. رفض قرداحي التراجع والاستقالة في بداية الأزمة، إلّا أنّه عاد ورضخ أمام الضغوط المكثفة والإجراءات العقابية التي مورست ضد لبنان واللبنانيين. وانتهى العام لكنّ الأزمة لم تنتهِ، وما زال لبنان يواجه قطيعة دبلوماسية واقتصادية، تزيد شعبه إرهاقاً، ولا تنتقص من قدرات حزب الله.

وفي سياق مشابه، سحبت الجزائر سفيرها من المغرب وأغلقت المجال الجوي بينهما. وجاء تفسير تلك الخطوة بلسان الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، بتورّط المغرب في مخططات من شأنها (لو نجحت) تهديد الأمن الجزائري. ومرة أخرى، بدا التصرف مبالغاً فيه، خصوصاً في ظلّ تكتم الجزائر على طبيعة تلك المخططات المشار إليها وأبعادها.

إضافة إلى هذا التوتر البيني، عانت دول أخرى في 2021 اضطراباً داخلياً مقلقاً. ففي ليبيا، وعلى الرغم من استمرار المسار السياسي، تم تأجيل الانتخابات التي كانت مقرّرة في 24 الشهر الماضي (ديسمبر/كانون الأول). وسبقت التأجيل حالة شد وجذب سياسي وقضائي، على خلفية تباين المواقف من القانون المنظّم للعملية الانتخابية ومعايير اعتماد المرشّحين واستبعادهم. وفي تونس والسودان، بادر كلّ من الرئيس قيس سعيّد والفريق عبد الفتاح البرهان إلى إقالة الحكومة وتعليق العمل بالدستور في تونس وبالوثيقة الدستورية في السودان. وكما اشترك الرجلان في رفع شعارات حماية "الثورة" وتصحيح المسار والحفاظ على مكتسبات الشعب، اشتركت الدولتان أيضاً بعد هذه الإجراءات في حالة التوتر السياسي والاضطراب الأمني والتشاحن بين القوى السياسية.

وهكذا يبدو جلياً أنّ عملية التحوّل الديمقراطي في الدول الثلاث (ليبيا والسودان وتونس) ابتعدت في 2021 مسافاتٍ عما كان مأمولاً، بل إنّ خريطة طريق المستقبل صارت مشوّشة وغامضة. وأصبح الانتقال الديمقراطي محلّ شك، ولا دلائل مبشرة في اتجاه الاستقرار السياسي في الدول الثلاث في العام الجديد.

إجمالاً، كانت لعام 2021 أيادٍ بيضاء على عرب المشرق وشبه الجزيرة، فيما ترك بصمات ثقيلة على عرب الشمال الأفريقي، باستثناء مصر. ولهذا الاختلاف بين جناحي الوطن العربي دواعيه، فمنطقة المغرب العربي بعيدة عن ملفات وقضايا ذات أهمية خاصة للقوى الكبرى في العالم. أهمها حالياً المفاوضات النووية مع إيران، وما يتقاطع معها من قضايا، مثل الأزمتين، السورية واليمنية، والوضع الداخلي في لبنان، وكذا في العراق. وربما يفسّر ذلك، ولو جزئياً، الهدوء الداخلي والتقارب البيني الذي غلب على المشرق العربي، برعاية دولية، لتهيئة الأجواء لمعالجة تلك الملفات.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".