حكومة العهد الأولى تحصد ثقة النواب وتخسر ثقة مكوّن أساسي
كانون الأول 28, 2016

وائل نجم ـ كاتب وباحث

 

 الجميع في لبنان كان يعلم أن نيل حكومة الرئيس سعد الحريري، وهي حكومة العهد الأولى، ثقة المجلس النيابي أمراً ليس صعباً؛ فالحكومة في الأساس تشكّلت من الطيف السياسي الذي يجتمع تحت قبة البرلمان ضمن مروحة واسعة من المحاصصة والاستنسابية وتوزيع المقاعد الوزارية، حتى أن الرئيس سعد الحريري أطلق عليها صفة الوحدة الوطنية، علماً أن عدداً من القوى السياسية الوازنة غيّبت عنها بطرق مختلفة، وبالتالي فإن حصول الحكومة على الثقة كان أمراً محسوماً، خاصة أيضاً وأن البيان الوزاري الذي تقدّمت على أساسه لنيل ثقة النواب جاء فضفاضاً وعاماً وحمّالاً لأوجه كثيرة في التفسير، وبالتالي كل ذلك جعل جلسات المجلس النيابي عادية روتينة باستثناء بعض الكلمات التي جاءت خارج السياق.

 

ليس المهم في حجم الثقة التي نالتها حكومة العهد الأولى، وبغض النظر إذا كانت حكومة عمل أم حكومة انتخابات، فهذا شيء طبيعي عندما يجري محاصصة المقاعد الوزارية وإرضاء أغلب الاطراف السياسية، والنزول على رأي وموقف القوة الاساسية المهيمنة في موضوع البيان الوزراي، وحتى شكل وحجم الحكومة وطريقة تشكيلها.

 

المهم في الذهاب إلى قراءة كيف جرت عمليات أخذ الثقة للحكومة، وموقف المكوّنات الوطنية منها، لأن في ذلك قراءة معمّقة للمشهد لا تقف عند حدود الرسم الظاهري، ولا عند الرؤية السطحية.

 

في قراءة لعمق المشهد سنجد أن هذه الحكومة نالت ثقة النواب، ولكنها خسرت ثقة قسم كبير من مكوّن أساسي في لبنان، هو المكوّن المسلم السنّي، وقد يستغرب البعض هذا الكلام باعتبار أن رئيس الحكومة هو من هذا المكوّن، بل هو وتياره الذي يرأسه يمثّلان أغلبية هذا المكوّن، فأغلب النواب الذين ينتمون إلى هذا المكوّن هم في هذا التيار، وهذا صحيح بكل تأكيد، ولكن الصحيح أيضاً أن آخر انتخابات نيابية جرت في العام 2009، وأن ظروفاً كثيرة تغيّرت في الوطن العربي بعد هذا التاريخ؛ لقد حدثت ثورات قامت بها العديد من الشعوب، وتغيّر مزاج العديد من الناس، فضلاً عن أن الانتخابات البلدية التي جرت أوائل الصيف الماضي فيب لبنان اعطت انطباعات ومؤشرات على هذا التغيّر في مزاج الرأي العام اللبناني، وعلى وجه التحديد المسلم السنّي، وبالتالي لا يمكن إغفال هذه الحقائق، والقول إن النواب الحاليين، ما احترامنا لهم جميعاً، يمثلون إرادة اللبنانيين إرادة فعلية حقيقية، ويعبّرون عن تطلعاتهم بشكل كامل، وعليه فإنه يمكننا القول أيضاً إن الثقة التي نالتها الحكومة هي من الناحية الدستورية القانونية لا غبار عليها، ولكن من ناحية المشروعية هي محل شك وظن، إذ كيف يمكن أن نفسّر غياب الرئيس فؤاد السنيورة، وهو رجل دولة من الطراز الأول، عن جلسة الثقة بداعي الارتباط بمواعيد في الخارج، إلا حالة اعتراض ضمنية على الحكومة وطريقة تشكيلها وبيانها الوزاري والتنازلات التي حصلت؟! كيف نفسّر غياب الرئيس نجيب ميقاتي وكتلته عن جلسة الثقة، وهو الذي يمثل وزناً لا يمكن تجاهله في طرابلس خاصة والشمال ولبنان عامة، سوى رسالة اعتراض ثانية على الحكومة وبيانها الوزاري والتنازلات التي حصلت؟! كيف نفسّر امتناع الجماعة الاسلامية عن التصويت للثقة للحكومة، وهي التي تعتبر التنظيم والتيار الاسلامي الأكثر حضوراً في الوسط المسلم السنّي في لبنان بعد المستقبل إن لم تكن تنافسه في العديد من المدن والبلدات الكبيرة؟!

 

إذاً هي مسألة اعتراض من فاعليات كبيرة في الساحة الاسلامية على هذه الحكومة وعلى بيانها الوزراي، وعلى حجم التنازلات التي حصلت وأمّنت السرعة في تشكيل الحكومة وصوغ بيانها الوزراي ونيل الثقة.

 

صحيح أن هذه الحكومة هي حكومة انتخابات – كما يقال – وهي قصيرة العمر، وصحيح أن هناك "تضحيات" هي تنازلات تمّت في أكثر من مكان تحت عنوان إنقاذ الوطن، ولكن هذا لا يعني أن الأمور ستكون بخير مع انعدام ثقة قسم كبير من مكوّن أساسي في هذا البلد. هي حكومة نالت ثقة النواب، ولكنها خسرت ثقة قسم كبير من مكوّن أساسي، وهو ما يمكن أن يزيد حالة الاحباط واليأس عند هذا المكوّن ويدفع شبابه نحو مزيد من الانكفاء والانطواء على الذات، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر؛ ويمكن أيضاً أن يشكّل فرصة لإعادة جمع الشمل بما يعزز من فرص الاستقرار على المستويات كافة، وبالطبع فإن رئيس الحكومة معني قبل غيره بمبادرة تعيد جمع شمل المكوّن الذي ينتمي إليه ويستند إلى قوته كحاضنة له ولتياره ولكل القوى المنتشرة في هذا المكوّن. وأما سياسة إدارة الظهر والمضي بالخيارات التي يبدو واضحاً أنها لا تنسجم مع تطلعات المكوّن المسلم، فإن ذلك سيفاقم الأزمة داخل هذا المكوّن وخارجه، وهو ليس في صالح أحد على الاطلاق. كما وأن القيادات الأخرى مدعوة إلى تنسيق جهودها وجمع كلمتها من أجل استدراك ما فات إلى الآن.

 

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن رأي "آفاق نيوز".