خاشقجي وخيبة الدعاية السعودية.
تشرين الأول 07, 2019

معن البياري.

جاءت الأخبار، قبل أيام، على عزم شركة المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق إطلاق قناة تلفزيونية، اسمُها الشرق، ستكون "مساهمةً كبيرةً في الفضاء الإعلامي العربي، لتسعى إلى تعزيز الوعي على مستوياتٍ مختلفة، وصيانة حق الوصول إلى الحقيقة"، بحسب الشركة. وليس لمشتغلٍ في الصحافة، كما صاحب هذه الكلمات، إلا أن يبتهج لأي مشروعٍ إعلاميٍّ عربي ناشئ، سيّما إذا أضاف أداءً مهنيا واحترافيا جديدا، وأناط بنفسه مهمّاتٍ كالتي تقول الشركة السعودية هذه إن شاشتها المرتقبة ستقوم بها، غير أن قارئ هذا الكلام سيجد نفسَه مضطرّا إلى تذكّر المثل الذي يسأل عمّا يمكن أن تفعله المشّاطة في الوجه العكر. وسيما (عذرا للتكرار) أن من سوء طالع القناة التلفزيونية أنه تم الإعلان عنها في معرض إشهار اسم الزميل الذي سيتولّى إدارتها، بينما كانت صحفٌ عالميةٌ كبرى، أميركيةٌ وبريطانيةٌ خصوصا، تخوض في أمر العربية السعودية بما أكّد صورةً للحكم فيها بالغة الشناعة، وخصوصا لولي العهد، محمد بن سلمان، وذلك كله بمناسبة اكتمال عامٍ على قتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في الجريمة المروّعة المعلومة، والتي لم تفلح ملايين الدولارات التي قبضتها شركاتُ علاقاتٍ عامةٍ، في الولايات المتحدة وأوروبا، في تحييد ولي العهد عن المسؤولية المباشرة عنها (الجريمة)، وفي استعادة صورةٍ له كان عملٌ كثيرٌ قد تم لترويجها، أميرا صاحب مشروع إصلاحي في المملكة، وتحديثيا منفتحا. ومن مفارقاتٍ تحضر هنا أن الرجل حظي ببعض الثناء، في حينه، في "نيويورك تايمز"، وغيرها من صحفٍ لا تقصّر منذ عام في تحطيم اسمه ومكانته، بل إن خاشقجي نفسَه ساهم في الإعلام الأميركي، إلى حد ما، في امتداح خطواتٍ لبن سلمان، ولم يسمّ نفسَه كاتبا معارضا، وإنما داعية إصلاح، "في رقبته بيعةٌ للملك وولي عهده"، على ما قال مرّة، رحمه الله.

ما حفلت به، الأسبوع الماضي، صحافاتٌ عديدة في العالم، وبلغةٍ شديدة الوضوح، في التذكير بفداحة جريمة تغييب خاشقجي، وفي التأكيد على وجوب معاقبة المرتكبين والمسؤولين، دلّ على أن ورطة محمد بن سلمان، والحكم في العربية السعودية عموما، ثقيلةٌ. وحِرص الأسرة الإعلامية والحقوقية العريضة في الغرب على بقاء قضية خاشقجي حيةً في ذاكرة العالم أمرٌ ليس في وسع المملكة أن تتعامل معه بالكيفية التي نرى، وإنْ دفع خبراء علاقاتٍ عامةٍ تتعامل معهم مؤسسة ولاية العهد بن سلمان إلى أن يُشهر، قبل أيام، في البرنامج التلفزيوني الشهير "60 دقيقة" في قناة سي بي إس الأميركية، مسؤوليته عن الجريمة، وأن يصفها نكراء، وأن يقرّ بعمل بعض مرتكبيها معه، وأن يؤكّد أن اقتصاصا سيتم منهم. والظاهر أن نقصان الثقة في منظومة العدالة ومسطرتها في المملكة مهولٌ في الميديا الأميركية، وفي اللوبيات الناشطة في الولايات المتحدة، الأمر الذي جعل تأثير أقوال محمد بن سلمان هذه ضئيلا، وإنْ تعد تطوّرا ملحوظا عما كان يقوله السعوديون الرسميون طوال عام.

وعندما تلحّ تقارير ومقالاتُ رأي في "نيويورك تايمز" وغيرها على ربط قتل خاشقجي، في ذكراه الأولى، مع مشهدٍ أعرض، من عناوينِه مواصلة المسؤول السعودي الأهم حربا مدمّرة في اليمن، تسبّبت بكارثةٍ إنسانيةٍ كبرى هناك، وكذا اعتقال نساء إصلاحياتٍ، فذلك يعني أن حل مشكلة ازورار شركات علاقاتٍ عامةٍ أميركيةٍ عن الاستمرار في العمل مع المملكة لا يتم بتقوية شركاتٍ أخرى جهودَها، في مقابل أموالٍ أكثر، وقد أوضحت شيئا من هذه التفاصيل "الإندبندنت" البريطانية، وذكرت "واشنطن بوست" أن الشركة المتخصّصة باتصال الأزمات، إم إس إل، قبضت من المملكة، منذ قتل خاشقجي، 18 مليون دولار.

موجز القصة أن المهمة الدائية، إنقاذ صورتي المملكة وولي العهد تعرف خيبةً كبرى تضرب المجهود السعودي الحكومي في هذا الخصوص (دعك من الأبواق والملحقين والتابعين في غير بلد)، وتستنزف طاقةً من العمل كبيرة، من دون نفعٍ ظاهر. .. وفي هذه الغضون، يُصادِف واحدُنا خبرا عابرا عن قناةٍ تلفزيونيةٍ سعودية، ستتوجه إلى الجمهور العربي، لا غرض لها سوى "تعزيز الوعي، وصيانة حق الوصول إلى الحقيقة"، فلا تطلّ في الأثناء غير المشّاطة التي لا تنفع مع الوجه العكر.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".