رئيس تونس يستثمر الجيش في مواجهة الوباء
تموز 26, 2021

المهدي مبروك
لا يفرّط الرئيس التونسي قيس سعيد، في أيّ مناسبة، بمديح جيش بلاده، مثنياً على خصاله العديدة: وفاؤه للجمهورية، زهده وانضباطه وإخلاصه للوطن... غير أنّ هذا المديح، وهو مستحق، لا ينتهي عند هذا الحد، بل عادة ما يردف الرئيس جملاً أخرى، تفيد تبرّمه بالمؤسسات المدنية التي نخرها الفساد حسب رأيه، ولم تدرك "حاجات اللحظة" علاوة على توظيفها الحزبي من هذا الطرف أو ذاك. ويختم الرئيس مداخلاته تلك بعباراتٍ غدت تماماً محفوظةً كأناشيد الطفولة، يستحضرها الجميع عن ظهر قلب "سيكشف حين تأتي اللحظة ألاعيب هؤلاء ومؤامراتهم وأنهم إلى مزبلة التاريخ ذاهبون، وأنّ الشعب سيحاسبهم حساباً عسيراً"... أحاجٍ وألغاز لم تعد تثير اهتمام الناس الغارقين في هواجسهم الصحية وأزماتهم المادية المتعاقبة، الناجمة عن عسر المعاش وكابوس الوباء.
يستحقّ الجيش التونسي مثل هذا المديح أو أكثر، وقد مدحه، أكثر من مرة، أناس بسطاء لا علاقة لهم بالحسابات التي يجيدها الرئيس سعيد، فقد أمّن في أكثر الفترات عسراً - على غرار انسحاب الأمن وخلاء الشوارع منه إبّان أحداث الثورة، الأحداث الإرهابية، وأخيراً الكارثة الصحية - الانتخابات والامتحانات الوطنية، مع تزويد الناس بالمواد الغذائية وإسعافهم عند الاقتضاء... إلخ. غير أنّ المديح الرئاسي للجيش لا ينخرط في ثقافة الاعتراف للجيش بهذه الفضائل، بل لدعم مصادر مشروعيته، بل وحتى قوته في سياقٍ ابتعد عنه جلّ حلفائه: الحزام السياسي الذي لم يبقَ منه سوى حركة الشعب وأمينها العام زهير المغزاوي، الذي كاد يتحوّل إلى ناطق شخصي باسم الرئيس. أما التيار الديمقراطي فقد استُبعد من هذه الدائرة المضيقة، خصوصاً في ظلّ تحفّظه على مواقف الرئيس الرافضة إرساء المحكمة الدستورية.
أما الاتحاد العام التونسي للشغل فقد وجه أمينه العام نقداً حادّاً إلى رئيس الجمهورية، على خلفية رفضه مبادرة الاتحاد التي مضى عليها الآن أكثر من عشرة أشهر، وهي التي يعتقد أنّها كفيلة بإخراج البلاد مما تردّت فيه من عدم استقرار سياسي وصراع مفتوح على كلّ الاحتمالات بين رؤساء الحكومة والبرلمان والجمهورية. ولذلك، غدت لقاءات الرئيس بالأمين العام للاتحاد، نور الدين الطبوبي، نادرة، بعدما كانت متواترة ومنتظمة بشكل أسبوعي تقريباً. لم يبقَ للرئيس سوى مؤسّسة الجيش التي يسعى جاهدا إلى تغيير عقيدتها، وهي التي نأت بنفسها عن التدخل في الشأن السياسي، بل زهدت في السلطة، وقد "وجدتها ملقاة على قارعة الطريق" كما ذكر مرّة الجنرال المتقاعد حالياً، رشيد عمار.
بدأ رئيس الجمهورية في إلقاء خطبه في الثكنات العسكرية، وهذه عادة لم يألفها التونسيون، ولا جيشهم. ثم تدريجياً بدأ يثير أخطر القضايا التي ما زالت محلّ تجاذب على مسامعهم؛ فساد الطبقة السياسية، وعيوب الدستور وعبثه، فضلاً عن قضايا عديدة أخرى خلافية تصب مزيداً من الزيت على نارٍ ملتهبة.
استغل الرئيس سوء إدارة مواجهة وباء كورونا لاعتباراتٍ عديدة، لعلّ أهمها ارتباك أداء وزارة الصحة، وهي التي تداول على حقيبتها أربعة وزراء، فضلاً عن شحّ الموارد المالية، حتى يعسكر إدارة الأزمة، ويمنح مفاتيحها الى مؤسسة الجيش، بدءاً من تلقي المساعدات المالية إلى حملات التلقيح. ولم يتوقف الرئيس عند هذا النشاز بل تعدّاه تجاه مرحلة أخرى، وهي إبراز الجيش في شكل المؤتمن الوحيد على مصير الشعب وصحته من خلال إيكال مهام مدنية عديدة إليه. وقد كانت جيوش عديدة حاضرة وبشكل بارز في مواجهة الوباء، فقد شاهدنا الجيش الإيطالي وجيوشاً أخرى لدول ديمقراطية عريقة: فرنسا، ألمانيا، إسبانيا، تدخل هذه الحرب بدرجات وأشكال متفاوتة وتدير المعركة بضراوة، غير أن ذلك لم يرافقه مطلقاً بخس الإدارة المدنية، تحديداً أجهزة الصحة المدنية التي مثلت لتونس مفخرة وطنية كبيرة قبل أن يتراجع أداؤها.
يستغل الرئيس المعركة التي تخوضها البلاد ضد الوباء، من أجل تصفية الحساب مع الجميع، خصوصاً مع بدء الحديث عن إمكانية الاستغناء عن رئيس الحكومة الحالي، هشام المشيشي، الذي يبدو أنّ حكومته لن تواصل عملها طويلاً، خصوصاً في ظلّ إقالة ما يزيد عن ثلثها. ويربح رئيس الجمهورية نقاطاً ثمينة على حساب خصميه، رئيسي الحكومة والبرلمان. ويستميل فئات واسعة من الشعب، وهو الذي يجيد نظم خطابه الشعبوي خصوصاً، وقد برز "بطلاً قومياً يقارع وحده الفيروس" مستعيناً بقدراته الهائلة في إقناع ملوك الدول ورؤسائها بضرورة مساعدته على مكافحة الوباء، من خلال الهبات التي تدفقت على تونس في الأيام القليلة الماضية. يردّد الشارع العريض أنّ "الرئيس قد جلب لهم التلقيح، بما بذل من جهد مع نظرائه".
يحرص الرئيس أن يبدو متفرّغاً لهموم شعبه، وهو الذي خذله الجميع إلّا الجيش. مع ذلك، ليس الأمر كما يشتهي، فالجيش التونسي يدرك تماماً حدوده، وهو الذي يرسمها لنفسه ضمن تراثه وعقيدته ومصالحه العليا، خصوصاً أنّ الرئيس الحالي "عابر في كلام عابر" والعبارة للشاعر محمود درويش.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".