رحيل الملكة: نهاية مرحلة في تاريخ بريطانيا والعالم
أيلول 10, 2022

يعتبر رحيل إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا، حدثا عالميا وليس بريطانيا فحسب، فإضافة إلى كونها رأس الدولة البريطانية (والكنيسة الإنكليزية)، فإن الملكة الراحلة، كانت تعتبر رئيسة لـ13 دولة أخرى، كما كانت، حتى أيلول/سبتمبر الماضي (حين سلّمت المنصب لابنها تشارلز)، رئيسة لمنظمة الكومنولث التي تضم 54 دولة كانت جميعها أقاليم سابقة في الإمبراطورية البريطانية.

غير أن عالمية الحدث لا تتعلق بهذه المناصب ذات الطابع البروتوكولي والرمزي بل بحضور الملكة البريطانية، خلال 70 سنة من حكمها، في الكثير من الأحداث الكبيرة، بدءا من الحرب العالمية الثانية، التي كانت فيها مجندة تلبس الطقم العسكري، مرورا بدورها المعلوم، الرافض للتمييز العنصري في جنوب افريقيا، والذي اختلفت فيه مع رئيسة الوزراء الراحلة مارغريت ثاتشر، وشغلها على منظمة الكومنولث، ومعاصرتها لمجمل الأحداث التاريخية التي كانت بريطانيا طرفا فيها، من حرب السويس عام 1956، إلى حرب الفوكلاند عام 1982، إلى نهاية الحرب الطويلة الإنكليزية ـ الايرلندية باتفاق الجمعة العظيمة عام 1988.

معروف أنه منذ الحرب الأهلية الإنكليزية، التي دارت بين الملك والبرلمان، بين الأعوام 1642-1651، وأعدم خلالها الملك تشارلز الأول، وجعلت حكم الملوك تحت سيطرة البرلمان، يتخذ المنصب الملكي في بريطانيا طابعا رمزيّا، غير أن حكم الملكة اليزابيث الثانية، الأطول في تاريخ حكم الملوك الإنكليز، يمكن أن يعتبر مثالا عظيما لإظهار أهمّية هذا المنصب ودوره في تشكيل هوية الأمة، وصناعة سرديتها الوطنية، وفي إظهار الملك كخادم للمجتمع، وفوق كل ذلك، في رعاية التطوّر والتغيّر، بدءا من المؤسسة الملكية نفسها، وانتهاء بالمجتمع كله.

على مستوى المؤسسة الملكية نفسها فإن أمرا، مثل ارتباط الملك بامرأة مطلقة، كان مستحيلا في عهد ادوارد الثامن (عمّ الملكة الراحلة)، إلى درجة دفعه للتنحّي عن العرش في 1936، صار أمرا مقبولا لدى المجتمع البريطاني، والبرلمان، والمؤسسة الملكية، مع تشارلز، الابن البكر للملكة، الذي تزوّج، بعد وفاة زوجته الأولى الأميرة ديانا، هو أيضا امرأة مطلقة، وهي كاميلا، التي ستحصل أيضا على لقب الملكة (بينما جاهد زوج الملكة اليزابيث الثانية، وهو وريث ملكي اليونان والدنمارك، للحصول على لقب أمير!).

واحد من التطوّرات الملحوظة أيضا داخل المؤسسة الملكية البريطانية كان ارتباط الأمير هاري، حفيد الملكة، وابن تشارلز الثالث، بممثلة من أم سوداء مطلقة، وهي ميغان ميركل، وكذلك سلسلة العلاقات العاطفية التي خاضتها الأميرة ديانا، وبينهم جراح القلب الباكستاني حسنات خان، وعماد الفايد، نجل الملياردير المصري محمد الفايد، الذي قضى مع الأميرة في الحادث الشهير.

تفرّعت عن قصة اليزابيث ابنة السلالة الملكية المعقدة، التي ورثت العرش بالصدفة، وتزوجت من فيليب ماونتباتن، ضابط البحرية ذي النسب الملكي الأوروبي، وأنجبت ثلاثة ذكور وأنثى، قصص دراميّة هائلة، أخذت مناحي تراجيدية ومأساوية، أحيانا، ومناحي فضائحية، في أحيان أخرى، ولكن كل تلك التفريعات المثيرة، التي حاول مسلسل «العرش» الشهير تقديمها للعموم، لخّصت في قصّتها، أيضا، التغيّرات الكبرى التي طرأت على العالم، وعلى بريطانيا، وهو ما جعلها في صلب السردية القومية البريطانية.

أظهرت الملكة قدرتها على دمج قصتها في السردية العامة، وإظهار لطفها وتواضعها وتقبلها للتغيير، بالظهور مع الممثل دانيال كريغ، بطل سلسلة جيمس بوند الشهيرة، في فيلم قصير لتخليد حفل افتتاح دورة لندن للألعاب الأولمبية عام 2012، وتبدو في الفيلم وكأنها تقفز بالمظلة من طائرة، كما ظهرت في مقطع تمثيلي مع الشخصية الكرتونية الدب بادينغتون.

لعلّ أهمّ ظاهرة في حكم الملكة البريطانية الراحلة هي في تثبيته أن عمل الملكة الأساسي هو الخدمة المدنية، وهي ظاهرة تتكشف خطورتها الشديدة عند مقارنتها بدور زعماء الدول الذين يحوّلون مناصبهم إلى سلطة استبدادية مطلقة تستنزف ثروات البلاد، وتعادي مصالح سكانها، وتحوّلها إلى مرتع للفساد والخراب.

المصدر: القدس العربي.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".