رسائل الانتفاضة الفلسطينية
أيار 28, 2021

أنور الجمعاوي
ظنّ اليمين المتطرّف الإسرائيلي أنّ الأمور آلت إليْه في جلّ الأراضي الفلسطينية، فحركة الاستيطان مستمرّة، وسياسات التمييز العنصري، والتهجير القسري، وقتل الفلسطينيين بشكل عشوائي متواصلة، والتنسيق الأمني مع السلطة الوطنية الفلسطينية حاصل، وبعض الدول العربية هرْولت إلى التطبيع مع إسرائيل. فيما المجتمع الدولي لا يبدي جدّيةً في تطبيق القرارات الأممية المتعلّقة بالنزاع الفلسطيني/ الإسرائيلي، والمجتمعات العربية مشغولة بمواجهة الاستبداد، والفقر، والتخلّف وترسانة الدولة الشمولية/ القامعة. لذلك ظنّ ملاحظون (مراقبون) أنّ القضيّة الفلسطينية دخلت طيّ النسيان، وأنّها انتهت بإبرام اتفاقية أوسلو غير العادلة، وأنّ الأجيال الصاعدة خالية الذهن من الحالة الفلسطينية ومتعلّقاتها، وذلك بسبب سطوة العولمة، وسياسات التعتيم الإعلامي على الانتهاكات الإسرائيلية، وتراجع المدّ القومي العربي. ولكنّ الانتفاضة الفلسطينية العارمة التي اندلعت مع مطلع شهر مايو/أيار في القدس، وفي عموم مدن فلسطين التاريخية وبلداتها، أثبتت أنّ القضيّة الفلسطينية ما زالت حيّة في نفوس الفلسطينيين خصوصا، والمتضامنين معهم من العرب وغير العرب في العالم عموما. والواقع أنّ الانتفاضة الجديدة حملت عدّة رسائل واضحة، موجّهة إلى الداخل الفلسطيني، وإلى السلطات الإسرائيلية، وإلى العرب والمجتمع الدولي.
وجّهت الانتفاضة الفلسطينية رسائل قويّة، جليّة، إلى مكوّنات الداخل الفلسطيني وقياداته، مفادها وحدة الصف الوطني/ الجمعي الفلسطيني، والتحام الرابطة الشعبية الداخلية في وجه كلّ محاولات التجزئة، وأدبيات التشتيت، ومشاريع الفصل بين مكوّنات الشعب الواحد باسم الانتماء الفصائلي، أو تحت ما تعرف بمشاريع التسوية مع إسرائيل، فقد انتفض الفلسطينيون في القدس كما في نابلس، وفي اللّد كما في حيْفا، وفي البيرة كما في عكّا، وفي غزّة كما في رام الله، وفي حي الشيخ جرّاح كما في أم الفحم، تعبيرا عن صحوة حقوقية جماعية ضدّ سياسات التمييز العنصري الإسرائيلية، وسياسات التهويد القسرية، ومحاولات قضم الأراضي الفلسطينية. وبدا واضحا أنّ المنتفضين لا يرفعون شعارات حزبوية أو فصائلية أو جهوية، ولا يدينون بالولاء لزعيم معيّن. بل رفعوا العَلَم الفلسطيني عاليا، خفّاقا، موحّدا لجميع الوطنيين الثائرين. وجلّى ذلك شعار معبّر، عنوانه "القدس، حيفا، غزّة، اللد، الرملة، عكّا شعْب واحد/ معركة واحدة". ومن ثمّ، فقد أعادت الانتفاضة وحدة الصف الداخلي الفلسطيني، وأحيت مشروع التحرّر الوطني، واستجمعت القوى الذاتية على اختلافها لكسْب معركة تقرير المصير ذاتيّا، من دون وصاية من أيّ سلْطة داخلية أو خارجية. وتجاوزت الانتفاضة الفلسطينية هنا واقع التقسيم المشهود سياسيا، وجغرافيا بين الضفة الغربية، وقطاع غزّة، وأراضي 1948 والخط الأخضر، لتشكّل جبهة نضال شعبية، موحَّدة، تهدف إلى وضع حدّ لاستفزازات جيش الاحتلال، ولحركة الاستيطان، ومحاولات استهداف الأماكن المقدّسة. كما عبّر المنتفضون بغضبهم، وتظاهرهم العارم، ونضالهم الميْداني، عن انتصارهم لقضيّتهم، واضطلاعهم بالدفاع عنها في ظلّ تخاذل السلطة الوطنية الفلسطينية، وانشدادها إلى محامل اتفاقية أوسلو، والتزامها التنسيق الأمني مع السلطات الإسرائيلية، فالشعب الفلسطيني، إذ انتفض، إنّما عبّر عن كيْنونته، وقُدْرته على تغيير الأوضاع، ولو إلى حدّ ما، لصالح إعلاء القضيّة الفلسطينية في الداخل والخارج. والواقع أنّ الانتفاضة، في جانبٍ ما، هي إدانة لحالة التشرذم بين القوى الفلسطينية، والصراع الصّفْري على السلطة بيْنها، وتأكيد على ضرورة الوحدة الوطنية وحتميّتها التاريخية، بهدف إيجاد توازن مع الخصم/ المحتل، وبغاية استعادة الحقوق الفلسطينية المُستلَبة.
على صعيد آخر، رسائل الانتفاضة الفلسطينية أخيرا إلى السلطات الإسرائيلية جريئة وصريحة، فهبّة أبناء فلسطين التاريخية لنجْدة سكّان حي الشيخ جرّاح تدلّ على عُمْق الشعور الوطني والتضامني بين الفلسطينيين، وعلى أنّ الأجيال الصّاعدة ليْست خالية الذهن من القضيّة الفلسطينية واستحقاقاتها، فالشبّان والشابات الذين رابطوا في القدْس، والمسجد الأقْصى، وفي كنيسة القيامة، وحيّ الشيخ جرّاح، واعتصموا طويلا في منازل العوائل المهدّدة بالتهجير القسْري، إنّما كانوا يُعبّرون عن تعلّقهم بأرْض الأجداد، وحرْصهم على حراسة ممتلكات الفلسطينيين، وحماية القدس الشرقية من حملات التهويد القسري، والتأكيد على أنّها عاصمة فلسطين الأبدية. والصمود الفلسطيني/ الملحمي حول المدينة المقدّسة رسالة عملية ضدّ سياسات الاستيطان الإسرائيلية، ومحاولات تغيير الهوية الديمغرافية للمدينة عبْر تهجير سكّانها الأصليين وإحْلال مستوطنين إسرائيليين محلّهم. وبدا واضحا هنا أنّ الفلسطينيين عبّروا عن رفْضهم قرارات الترحيل التعسفي، والتهجير القسري من بيوتهم، الصادرة عن محاكم إسرائيلية غير محايدة، واعتبروها باطلةً لأنّها تستند إلى وثائق تمليك مزوّرة، ولأنّها صادرة عن قضاء قوّة محتلّة، تريد أن تكون الخصم والحكم في الوقت نفسه. لذلك تشبّثوا بمنازلهم، وبأراضيهم، وبزيتونهم العريق، الشامخ، وطالبوا بتحكيم القضاء الدولي (محكمة الجنايات الدولية مثالا) لفضّ هذا النزاع بين السكان الأصليين والمستوطنين الأغْراب.
وفي سياق متّصل، بدا أنّ مشروع الأسْرلة الذي اشتغلت عليه السلطات الإسرائيلية طويلا لم يؤت أُكْله، بلْ أدّى إلى نتائج معاكسة تماما لما كان يتوقّعه الكيان الإحلالي. وجلّت ذلك انتفاضة الفلسطينيين في المدن المختلطة (اللد، حيْفا، يافا..)، فهذه الحواضر التي يسكنها فلسطينيون، وتمّ زرع مستوطنين فيها منذ عقود، ظلّت العلاقة فيها متوتّرة بيْن هذيْن المكوّنيْن، ولمْ تنجح الحكومات اليمينية الإسرائيلية المتعاقبة في احتواء الفلسطينيين، وفشلت في محو ذاكرتهم الوطنية وتطبيع علاقتهم نهائيا بالمستوطنين. وذلك راجع إلى أنّ معظم الفلسطينيين ينظرون إلى المستوطن باعتباره محتلاّ، افتكّ أرضهم وأملاكهم بقوّة السلاح. يُضاف إلى ذلك أنّ جُلّ الفلسطينيين في المدن المختلطة يُعاملون باعتبارهم مواطنين من درجة ثانية، ويعانون ويْلات السياسات التمييزية العنصرية الإسرائيلية. لذلك ظلّ غضبهم من الممارسات التعسفية الإسرائيلية كامنا، وانفجر سخطهم عندما تبيّن لهم أنّ القُدس، بما لها عندهم من رمْزية قيميّة وقُدْسية دينية، في خطرٍ داهم بسبب الانتهاكات الإسرائيلية. لذلك لم يدّخروا جُهدا في التعبير عن نُصْرتهم لها والتظاهر من أجلها. واللافت هنا أنّ السلطات الإسرائيلية لم تكن جادّة في ضمان حقّ التظاهر للفلسطينيين والمتعاطفين معهم من اليسار الإسرائيلي. بل وظّفت جنودا وعصاباتٍ من المستوطنين للتشويش على المتظاهرين وتفريقهم بالقوّة، فبدت إسرائيل غير ديمقراطية، تنتهك حقّ التظاهر السلمي بالقنابل الصوتية والغاز المُسيل للدموع حينا، وبالرصاص وبلطجية اليمين المتطرّف حينا آخر. والواقع أنّ الحراك الاحتجاجي الفلسطيني أخبر أنّ إسرائيل لا يُمكن أن تنْعم بالسلام، والاستقرار الاجتماعي، والرفاه الاقتصادي، ما لم ينعم الفلسطينيون بالكرامة، والعدالة، والحرّية، والأمان. ولتحقيق هذه المعادلة، إسرائيل مطالبة بتطبيق القرارات الأممية المتعلّقة بتأمين حلّ عادل للقضية الفلسطينية.
أمّا في مستوى الرسائل الموجّهة إلى العرب والمجتمع الدولي، فقد أكّدت الانتفاضة الفلسطينية الهوية العربية للأراضي المحتلّة، وجلّى ذلك شعار "فلسطين عربية والقدس عاصمتها الأبدية"، وتجاوبت الشعوب العربية في تونس، وقطر، والأردن، والمغرب، والجزائر، والكويت، وسلطنة عُمان،...، مع الهبّة الشعبية الفلسطينية، ونزلت الجماهير العربية إلى الشوارع مطالبة بفتح الحدود، ورفْع الحواجز، وجمع التبرّعات، وتوفير المساعدات اللازمة للشعب الفلسطيني. كما كان لانتفاضة القُدْس صدى كوْني، فناصرها أحرار العالم في أميركا، واليابان، والسويد، والنرويج، وألمانيا، وفرنسا. وأبْدى متظاهرون تضامنهم مع الفلسطينيين، وطالبوا القوى العُظمى والمنتظم الأممي والمجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل بإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، ووضع حدّ لانتهاكاتها ضدّ شعب أعزل. والثابت أنّ الانتفاضة وضعت الأنظمة الحاكمة العربية المُطبّعة في حرج كبير. فأصحاب الأرْض انتفضوا لأجل أرْضهم وعِرْضهم وحقّهم في تقرير المصير. ولسان حالهم يسائل الحكّام العرب المطبّعين: من فوّضكم لتقرّروا بدلا عنّا؟ ألَم تشاهدوا الانتهاكات الإسرائيلية المتواترة ضدّنا؟ هل استشرْتم أصحاب القضية وشعوبكم، عندما أبْرمتم اتفاقيات سلام مجانية وغيْر مشروطة مع الكيان الإسرائيلي؟ والملاحظ أنّ بعض الدول المطبّعة منعت شعوبها من ممارسة حقّها في التظاهر نصرة لفلسطين، لأنّها تُدرك حجم التأييد الكبير الذي تحظى به القضية الفلسطينية داخل الاجتماع العربي عموما. ويكفي الدارس أن يراجع استطلاع الرأي الموسّع، المؤشّر العربي، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في نسخه المختلفة (من سنة 2013 إلى 2020) ليتبيّن أنّ معظم المواطنين العرب يعتقدون أنّ فلسطين قضيّتهم المركزية الأولى.
ختاماً، يمكن القوْل إنّ الانتفاضة الفلسطينية أخيرا أعادت القضيّة الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العربي والدولي، وجدّدت الوعي بمعاناة الفلسطينيين في الداخل والخارج، وكانت ردّا ميْدانيا/ مباشرا، رافضا السياسات العُنصرية الإسرائيلية، وما تسمّى صفْقة القرْن. وهي إلى ذلك احتجاج شعبي ضدّ بعض تجلّيات التخاذل العربي بشأن فلسطين، وكذا على حالة التشتّت والتجاذب بين القيادات الفلسطينية. كما أرْبكت الانتفاضة مشروع الأسْرلة، وأسقطت الرهان على موْت القضيّة. وأثبت الفلسطينيون في الميادين والشوارع قدرتهم على تنظيم صفوفهم، وتجاوز خلافاتهم، وتنسيق احتجاجاتهم بشكل ناجع. وأحرى بهم الآن انتخاب قياداتهم الوطنية الفاعلة، وإصلاح البيْت الفلسطيني الداخلي، وممارسة النقد الذاتي الموضوعي، وتكثيف أشكال الاحتجاج المستدامة وأدوات الفعل المؤثّرة، والعمل على تجميع الكلّ الفلسطيني تحت راية مشروع التحرّر الوطني واستعادة الحقوق المستلبة.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".