سقوط ترامب .. توقيعاتٌ عربية.
تشرين الثاني 10, 2020

مهنا الحبيل.

لطالما قفز هذا السؤال الذي تتبين صحته بعد حين: ما الذي يعنيه للعرب تغير مقعد الرئيس في البيت الأبيض؟ في مجمل السياسات ومصالح الولايات المتحدة الأميركية، كان يبدو الجواب سهلاً بعد تجارب عديدة عاشها الوطن العربي. لم يستشعر العرب، ولو مرة واحدة، فارقاً مركزياً في قضاياهم القومية، أو في واقع الحريات والعدالة السياسية المخنوقة، في الأرض العربية، من حلفاء واشنطن وقبائل الاستبداد العربي والعالمي. غير أنه في التفاصيل كانت هناك أمور مهمة، وتغيرات على الأرض في بعض الأقطار، لعب فيها تغير الموقف التقديري لمصالح واشنطن، أو حتّى للمساحة التي تتركها لظروف الأحداث، واقعاً مختلفاً ترتّب عليه صعود أنظمة وسقوطها، أخذاً بالاعتبار حجم البروباغندا التي أحدثها بعض العرب لـ"الإله الأميركي"، وسيّروا منه قدراً لازماً، لشدة الهزيمة النفسية التي يعيشها الوجدان العربي.

وفي فترة صعوده، نفّذ الرئيس الخاسر في الانتخابات تجريفات ممنهجة للحياة السياسية والمدنية في أميركا، صعقت الضمير العالمي، على الرغم من أن جذور العنصرية وهيمنة التوحش الرأسمالي، لم ولن تكون مرتبطة بمرحلة ترامب، وإنما هي عميقة للغاية في كلا الحزبين، اللذين مثلا نموذج اللعبة الديمقراطية المقننة، تحت سلطة رأس المال والنفوذ الغربي الأبيض. ولم تسمح هذه القوة بتغييرٍ كبيرٍ يُذكر، في تاريخ أميركا السياسي، وإن حقق الكفاح المدني اختراقاً مهماً، لا يُمكن أن تغفل انتفاضة جورج فلويد عن إنجازاته، وربطه من جديد برحلة ضمير العدالة المقاوم في التاريخ الأميركي. وهنا مسألة مهمة، أن سقوط ترامب، شاركت فيه تشكلات جديدة من قوى الكفاح المدني، مثلت خليطاً من الأعراق والقوميات. ومنهم عرب ومسلمون، وكانوا إحدى قواعد التشكل الديمغرافي لشركاء الرئيس المنتخب، جو بايدن، فهل هذا مؤشّر يستحق المراجعة؟ نعم، ولكن الحكم على تأثيره لا يزال مبكراً.

وإذا كانت عودة أوباما، من خلال علاقته الشخصية ببايدن، ونائبة الرئيس المنتخب، كامالا هاريس، وعلاقتهما بهذه القواعد العائدة والجديدة، تضفي على مشهد التغيير الأميركي، واقعاً جديداً، قد يمثل تحدّياً داخلياً وخارجياً، لعهود العسف الأميركي الحليف مع مستبدّي العرب، ومع مدافعة قوى اليمين التي لا تزال تملك قوة فارقة، في الغرب إجمالاً، مع صعود أجواء انقسام اجتماعي في العالم الغربي، لم تخلق له قاعدة توافق دستورية إنسانية قوية، تقوم على معيار فلسفي أخلاقي، فإن مسارات الأزمة والنزاع تتفاقم حتى اليوم، لكون الحراك العالمي يقع في قبضة معادلة الرأسمالية الطبقية، لا مصالح الأسرة الإنسانية الجامعة.

وعلى الرغم من ذلك كله، فإن حالة الاختلاف اليوم، عند سقوط عهدة ترامب، تعني في الموازين النسبية أموراً مهمة في الشرق، كما أن النسبية التي صعدت في تطرّف ترامب لعبت دوراً كبيراً، في خنق بيئة الحريات وتفجير المشروع الصهيوني في قلب الأرض العربية، وامتداداتها، واحتضان المستبدّين العرب، وخصوصا في محور أبوظبي، لمواجهة ضد فلسطين، واستهداف الرسالة الإسلامية، فلم تعد تُفرّق بين خطاب المستبد العربي الموالي لمرحلة ترامب وخطاب الحركة الصهيونية، لكن ذلك يعطي تساؤلاً آخر، كأنما جو بايدن في موقفه من القضية الفلسطينية سيختلف، كلا.. ليس الأمر كذلك.

ولكنه في القوى العربية الديمقراطية، وحراكها في أوطانها، وفي الولايات المتحدة، نقطة فارقة مهمة، فالخنق الذي دعمه ترامب يُراهن، ولو بتقدير نسبي، على تغيّر فرص دعمه في البيت الأبيض، ومن خلال نشاط هذه المجموعات التي تحالفت مع بايدن، خصوصا أن حضور تأثيرات الحملات الإعلامية، والخطاب الاجتماعي المدني، للقوى الشعبية العربية والإسلامية في أميركا، والتي تحولت إلى جزء من المجتمع المدني الفاعل، بات أكبر وأكثر تأثيراً، وفي أقل الأحوال، وإن لم تساهم في حملات إفراج لضحايا القتل السياسي في السجون، وكوارث الاعتقال وقمع الضمير، فهي ستنتج بيئة قلق أكبر لأنظمة الاستبداد العربي. من دون أن يدفع ذلك، بالضرورة، واشنطن إلى التخلي عن منهجية الاستنزاف والتوظيف للثروة والأرض العربيتَين، خصوصا في إقليم الخليج العربي. ولذلك يعني سقوط ترامب، قبل التعبير بفوز بايدن، الكثير في قلق هذه الأنظمة، وخصوصا في محور أبوظبي والقاهرة جزء منه، والتي تعاملت مع مرحلة ترامب أنها تاريخ جديد للعهد الأميركي أباح لهم كل جناية وإرهاب ضد شعوبهم.

وسيُمثل سقوط ترامب لمعارضات الشرق مساحاتٍ مؤثرة، بما فيها تركيا التي شاركت دولا خليجية في تمنّي انتصار ترامب، غير أن ذلك لا يعني مواجهة كسر عظم بين إدارة ترامب وتركيا الرئيس أردوغان، بل مرجّح أن يصلا إلى سلة تفاهم إقليمي، ولكن ملف الانتخابات التركي، وتحالف الإسلاميين الديمقراطيين مع المعارضة اليسارية، وخصوم الرئيس أردوغان في القاعدة الكردية واتباع حركة الخدمة (غولن)، قد يحظى بدعم ضمني من إدارة بايدن.

وفي الأزمة الخليجية، فإن سقوط ترامب، حليف الغزو العسكري لقطر، وتولي بايدن الذي فاز حلفاؤه من القوى المدنية، الصديقة للدوحة، بعضوية مجلس النواب، ومجالس ولايات، وفي خريطة الحزب الديمقراطي، لا يمكن أن يكون بلا تأثير، مع بروز ملف الحكومة السعودية في هذه القضية، وقضايا أخرى وعودة مشهد إعدام جمال خاشقجي، فالتصعيد الإعلامي المرافق لكل ملف قديم لترامب بات ثأراً للإعلام الأميركي المعادي له، وعلاقته بالسعودية. وهو ما شكّل حسماً لصالح الدوحة في السباق الأميركي الرئاسي، ويُلقي ظلاله على العلاقات بين الدوحة والرياض، وتأثيرات سقوط ترامب في المشهد الأوروبي الذي كان الأقرب إلى الدوحة، في مواجهة السياسات الحمقاء للرياض، من دون أن يمنع ذلك الغرب من غَرف مصالحه في هذه السياسة، وبالتالي فإن الرياض أمام خيارين: استمرار الحصار، في أجواء مريحة للدوحة، أو القبول بعرض فك الاشتباك، والاعتراف الضمني بأنها خسرت الحرب، كما خسرها ترامب.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".