سقوط "لبنان أولاً": اللاجئ الفلسطيني والسوري هو ضمير السنّة.
تموز 27, 2019

منير الربيع.

لا يحتاج لبنان إلى كثير عناء، ليبرز فيه مجدداً الانقسام الطائفي، المسيحي الإسلامي، من إجراءات وزارة العمل لتطبيق القانون إلى قضية "مشروع ليلى" وردّ الفعل لمنع الحفل، وما بينهما من جدالات وسجالات تتخطى الإنقسام السياسي وتتعمّق طائفياً.

وهذا الإنقسام الحيّ الذي لا يموت، هو دوماً نتيجة أوهام لدى الجماعات المتعاقدة في لبنان، أوهام مستمدة أيضاً من تحوّل عالمي في الاجتماع السياسي، الذي ينحو إلى النكوص نحو انقسام الهويات، تحت وطأة الاستشعار بالتهديد وانعدام الثقة.

المخاطر والأزمات

يوم حدثت مجزرة "شارلي إيبدو" من قبل متطرفين إسلاميين رداً على ما اعتبروه إساءات للدين الإسلامي، تضامن العالم كلّه مع المجلة الساخرة ومع حرية التعبير. وكان لبنان من أوائل الدول السباقة إلى التفاعل مع شعار "أنا شارلي"، انحيازاً إلى مفاهم الحرية بوجه "داعش". ولكن ما ينطبق على شارلي إيبدو لا ينطبق على غيرها، وبمعنى أضيق، فإن ما اقترفه داعش بحق صحافيي المجلة، كاد يحدث مع "مشروع ليلى" معنوياً وسياسياً هذه المرّة، من خلال الدعوات التي أطلقت لإطلاق الرصاص على المجموعة، ومنعهم من أداء حفلتهم بداعي الدفاع عن المقدسات. القضية بكل ما أثارته من تفاصيل وسجالات، تؤشر إلى عمق أزمة المجتمعات، والازداوجية في المعايير والقيم، وفي الحاجة الماسة للجماعات السياسية إلى الاستثمار بالأزمات والأهوال واستشعار المخاطر لشدّ عصبها. وهذا نموذج يجري تعميمه عالمياً، سواء بخواف الأقليات من الأكثريات، وتلاعب اليمين المتطرف بقضية موجات اللجوء والهجرة وغيرها من العناوين.

تزامناً، جاءت إجراءات وزارة العمل لتطبيق القانون، وما حدث بنتيجتها من ردّ فعل فلسطيني، و"إسلامي" متضامن مع الفلسطينيين. فبدا المشهد وكأنه انقسام إسلامي مسيحي بعد موقف التيار الوطني الحرّ المتشدد في دعم موقف وزير القوات اللبنانية. ردّ الفعل الإسلامي يستحق التوقف عنده، خصوصاً لدى السنّة، الذين وجدوا أنفسهم وجدانياً على تعارض جذري مع موقف القوات اللبنانية في هذه المسألة، وهذا يحصل لأول مرّة بين جمهوريّ البيئتين منذ العام 2005. ولا شك أن رد فعل السنّة كانت محط استغراب قواتي.

خيار لبنان الدولة

ربما من حق القوات اللبنانية أن تستغرب ردّ الفعل هذا، باعتبار أنها بنت علاقتها مع الجمهور السنّي على مبدأ "لبنان أولاً" الذي تكرس في 2005، واستمر تحالفاً استراتيجياً. رد الفعل الاختلافي هذه المرة يحتاج إلى بحث معمّق بدوافع السنّة إلى اتخاذ موقف معارض تماماً لإجراءات وزارة العمل. فالسنة يعيشون على قرن من الهزائم والانكسارات، بخلاف لحظة 2005، التي كانوا يستشعرون في لحظتها قوة أعادت لهم بعضاً من بريق الأمل. فكانت موازين القوى راجحة لصالحهم. عندها تخلّوا عن كل العمق "السنّي" بمداه الفلسطيني والسوري، حتى قبل أن تولد وتتفجر الثورة السورية. عندها أكد السنّة تكريس تحالفهم مع المسيحيين على مبدأ الدولة ولبنان أولاً. وهم الذين لم يترددوا في محاربة الإرهاب في نهر البارد، ودعم الجيش والدولة، متخلين عن أي صلة معنوية أو عاطفية للتعاطف مع "الفلسطينيين" أو مع ذاك التنظيم الإسلامي السني المتطرف داخل المخيم. وهذا يخلص إلى نقطة أساسية، أن السنّة في لحظة قوتهم يتمسكون بخيار بناء الدولة، ويقدمون الشراكة الإسلامية المسيحية على ما عداها من صلات وعلاقات خارج الحدود.

تاريخ الهزائم

أما اليوم، فقد تغير الحال، على نحو استعاد السنة بذاكرتهم وفي راهنهم لحظات انهزامهم وتحولهم إلى "أقلية" (سياسية وليس عددية)، في الفعالية السياسية أو التأثير. هم ينظرون إلى أنفسهم كمستهدفين وليسوا كصنّاع أحداث وبنّائي دول. ما وجده بعض الجمهور المسيحي تغيّراً جذرياً في مزاج السنّة، حقيقي. لكن هذا له أسبابه. وهي أنه جمهور يجد نفسه مستهدفاً وعائماً على قرن من الانكسارات والهزائم. وهم في وجدانهم عاشوا خسارة رهاناتهم على تنوّعها واختلافها، منذ انهيار السلطنة العثمانية، ومن ثم تبدد حلم المملكة العربية المتحدة، والارتضاء بالتوزع في كيانات يعتبرونها مصطنعة تشتتهم عن عمقهم واتحادهم.

وبعدها عاشوا هزيمة النكبة الفلسطينية، والهزائم أمام الانقلابات العسكرية، التي عادوا وتعاطفوا مع رمزيتها الناصرية "بوجه العالم". لكن الهزيمة التالية لم تتأخر عن ضربهم في صميمهم بهزيمة 1967، وبعدها عاشوا هزيمة كامب ديفيد، التي ترافقت مع ضرب مشروع راهنوا عليه في لبنان، لكنه انتهى وسحق بدخول الجيش السوري سنة 1976. ما بعد الحرب الأهلية في لبنان، استعاد السنّة جزءاً من حيويتهم. صحيح أنها كانت على حساب المسيحيين، لكن أكثر ما كانوا يتوقون إليهم، وهم ممنوعون منه، هو التقائهم مع "المسيحي"، بحكم الأمر الواقع الذي فرضه النظام السوري. لم تدم نشوتهم باستعادة بعض من دورهم لبنانياً، إذ كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري. سريعاً حاولوا الاستعاضة عن خسارتهم بالتلاقي مع الطرف المسيحي، في انتفاضة الاستقلال، التي عادت وتبددت سريعاً ومنيت بخسائر لا تزال تدفع ثمنها إلى اليوم.

وتستمرّ الهزيمة بكبائرها مع لحظة رهانهم على الثورة السورية التي مثّلت خلاصاً بالنسبة إليهم، إلا أن سحقها عاد بهم إلى أزمنة غابرة من الإنسحاق. تلك الهزيمة كان لها صدى داخل لبنان من خلال تسوية 2016، وما هو مشهود اليوم من صراع على الصلاحيات بحيث يستشعر الطرف المسيحي "القوي" بالقوة لاستضعاف السنة تحديداً، وسلبهم ما اكتسبوه طوال السنوات الفائتة، فلا تفارقهم مشهدية إسقاط رئيس حكومتهم "القوي" بفعل الثلث المعطّل، الذي يستخدم اليوم أيضاً لفرض الشروط على رئيس الحكومة وتكبيل مجلسه.

رد الفعل

ردّ الفعل الذي أظهره السنّة، تجاه الفوقية والعنصرية تجاه اللاجئين السوريين، والتي طبعت صورة مسبقة لديهم حول الإجراءات التي تطبق على الفلسطينيين، هو نتاج هزائم متراكمة، وجد السنّة فيه خذلانهم من دولة راهنوا عليها، ومن ثورة تم سحقها، ومن شراكة (مسيحية - شيعية) يجدونها على حسابهم، تدفعهم إلى الخواف، وإلى البحث عن مأمن، بالتكافل والتضامن مع آخرين من أبناء بيئتهم ولو كانوا من خارج حدود بلدهم. وهذا الخواف بحدّ ذاته هو ما يدفعهم ليس إلى التعاطف مع الفلسطينيين والسوريين فقط، إنما استشعار خطر ما أو مؤامرة لأي خطوة تتعلق بمكافحة الإرهاب في إحدى المناطق السنية مثلاً، على نحو بات من المستحيل عليهم أن يرفعوا راية مشابهة للراية التي رفعوها لخوض معركة نهر البارد. وهذا ليس لأنهم أصبحوا متطرفين، بل لظنّهم أن كل ما يتعرضون له هو عمل إبادة غايته تهجيرية. فيوسمون جميعهم بالإرهاب، بينما ما يقترفه الآخرون يندرج في خانة "التصرف الشخصي".

يوم وقعت أزمة بلدية "الحدث"، وأثيرت مسألة عدم الحق بالإيجار وليس التملك، كان المزاج السنّي أكثر من تأثر بما جرى، وفاق ردّ الفعل لدى السنّة رد الفعل لدى الشيعة الذين يرتبطون بتحالف سياسي استراتيجي عميق مع "الجانب المسيحي" الممثل للحدث. هذا التأثر السنّي ليس نتاجاً مذهبياً، ولا طائفياً، بقدر ما هو خوف اجتماعي. إذ يجدون أنفسهم منبوذين في مجتمعاتهم، ويعتبرون في قرارة دواخلهم أن ما يتعرض له السوريون والفلسطينيون سيطالهم يوماً ما. وهذا ما يحدث الآن سياسياً، في طريقة إدارة الدولة ومؤسساتها. وأكثر ما يدفعهم للخوف، هو رؤية مشروع كبير راهنوا عليه لبناء دولهم يُصاب أيضاً بهزيمة كبرى وتاريخية، ربطاً بالأحداث الجارية في الخليج، وما تقوم به إيران التي تدعي سيطرتها على أربعة عواصم عربية، وها هي تقارع العالم على ساحة عربية وخليجية تحديداً، وسط استشعار بتخلّي كل الحلفاء الدوليين عنهم. فكما حال الخواف لدى الأقليات تدفعها إلى الإلتقاء مع بعضها البعض بإذابة الحدود، فإن السنة في لحظة استضعافهم واستشعارهم للهزائم، يجدون أنفسهم وقد تحولوا إلى طائفة لا أكثر، فيصبحون بحاجة إلى هذا التضامن أو رد الفعل تعاطفاً مع الفلسطينيين والسوريين.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".