سورية .. طور جديد من التدمير الإسرائيلي.
كانون الثاني 19, 2021

مالك ونوس.

استفتح طيران الاحتلال الإسرائيلي الحربي السنة الجديدة بضربتين على سورية، شن في الثانية 18 غارة حربية على مواقع تابعة للنظام وللقوات الإيرانية في دير الزور والبوكمال وجواريهما. وتعد هذه الغارات، إضافة إلى كلام مصدر عسكري إسرائيلي عن منهجيةٍ جديدةٍ لاستهداف الأراضي السورية وفق وتيرة تتضمن ثلاث غارات كل عشرة أيام، بمثابة إدخال سورية في طور جديد من التدمير الممنهج تقوم به القوات الإسرائيلية، ويتميز بعجز سوري وإيراني عن ردّه أو الرد عليه. وإن كان عجز الجيش السوري عن ردّه مبرّراً بسبب تدمير قدراته الدفاعية طوال السنوات العشر الماضية، فإن العجز الإيراني يثير التساؤل، بسبب ترك الإيرانيين قواتهم والمليشيات التابعة لهم مكشوفة الظهر أمام هذه الغارات.

لا يمكن تصنيف الغارة التي شنها الطيران الحربي الإسرائيلي على سورية على المناطق المذكورة، فجر يوم 13 يناير/ كانون الثاني الجاري، ولا كلام المصدر العسكري الذي صدر بالتزامن معها، ضمن إطار التصعيد الروتيني الذي درج عليه الإسرائيليون منذ اندلاع الحرب في سورية، بل هي بمثابة حربٍ غير معلنة. إنها حرب استنزافٍ ستدمِّر، ليس المناطق المستهدفة فحسب، بل كل ما يمكن أن يساعد القوات الإيرانية على تثبيت تموضعها في النقاط والقواعد التي تشغلها الآن في سورية. ويمكن لهذه الحرب أن تتعدَّى سورية، فتطاول لبنان والعراق وقطاع غزة، وربما المنطقة برمتها، بسبب ارتباط دولها بمحور واحدٍ تتحكّم فيه إيران، فالغارة طاولت أهدافاً عدة دفعةً واحدةً، وفي منطقة واسعة شملت محافظة دير الزور ومنطقة البوكمال والميادين، واستمرّت ساعةً، وأوقعت أكثر من خمسين قتيلاً وغيرهم من الجرحى من الإيرانيين والسوريين، ومن الفصائل المدعومة من إيران والمكونة من جنسيات مختلفة.

وإذ تميزت هذه الغارات بعنفها وكثافتها واستمرارها مدة أكثر من المعتاد في الغارات السابقة، نفذتها طائرات حربية إسرائيلية اخترقت الأجواء السورية جنوب البلاد، وتوجَّهت إلى البادية في العمق وعلى الحدود مع العراق، قاطعةً مسافةً كبيرةً، فإنها تدلّ على أهمية الأمكنة المستهدفة وتنوعها، وإمكانية وجود تحصينات كبيرة وأنفاق يحتاج التعامل معها إلى كثافة نيران واستهداف واسع النطاق. ومن هنا، كتبت صحيفة إسرائيلية إن ضربات الأسبوع الماضي تختلف عن سابقاتها، لأنها دمَّرت مستودعاتٍ ومقار عسكرية، ربما تكون لصواريخ بعيدة المدى وطائراتٍ مسيَّرةٍ ومصانع أسلحة. ويبدو أن إيران بدأت في استغلال هذه المناطق لإقامة قواعد حساسة، بعدما اكتشفت أهمية إبعادها عن مناطق غرب دمشق وجنوبها، قرب الحدود الفلسطينية المحتلة حيث يسهل على الإسرائيليين استهدافها هناك. وإذ لوحظ عدم تصدّي الدفاعات الجوية السورية للطائرات، فذلك يرجّح أن الهجمات نفذتها طائرات إف 35 الجديدة التي لا تكشفها الرادارات، وفي هذا خطورة تتهدّد الأراضي السورية بسبب سهولة الاستهداف. وتزداد هذه الخطورة مع أنباء عن مغادرة القوات الإيرانية مقارّها وانتشار آلياتها وأفرادها وتوزُّعهم داخل المدن في أحياء دير الزور والبوكمال والميادين، مخافة إعادة استهدافهم بتكرار الضربة.

وتكرار الضربة ليس بعيداً، فقد أفصح المصدر العسكري الذي علَّق على الغارات، عن استراتيجية جديدة ستنتهجها قوات الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ ضرباتٍ وفق معدل ثلاث ضرباتٍ كل عشرة أيام، بعد أن كانت تنفذ ضربةً واحدةً كل ثلاثة أسابيع، حسب ما نقلت عنه إحدى القنوات التلفزيونية العربية. وستستهدف الضربات فيما تستهدفه، الصواريخ السورية والإيرانية التقليدية والرادارات. وهذا يدخل ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية البعيدة المدى، والتي تقوم على منع إيران من التمركز بقوة في سورية من أجل إيلامها ودفعها إلى الخروج من هذا البلد. ويعني هذا الأمر مزيداً من الآلام للشعب السوري عبر استهداف أراضيه أو بناه التحتية، بفعل النيران الجانبية أو المباشرة، خصوصاً أن إعادة تموضع إيران وتوزيع قواتها وأفرادها ضمن المدن لن يمنع الإسرائيليين من استهدافهم وإيقاع خسائر في صفوف المدنيين وأملاكهم، كما حدث سابقاً عند استهدافهم معمل البصل في قلب مدينة السلمية وسط سورية، والذي اتخذته إيران قاعدةً لها ومخزناً لأسلحتها.

وفيما يخص الرد الإيراني، أو التصدّي للصواريخ والطيران الإسرائيلي المغير، لا يبدو أن لدى إيران النيّة على الرد عليه أو ردعه أو حتى التصدّي له، هذا في حال توفُّر القدرة. أما إذا كانت لديها تلك القدرة، فتشير المعطيات إلى أنها باتت تتبع في التهدئة هذه الآونة. يؤكد ذلك امتناعها عن الرد على اغتيال قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، بمناسبة مرور سنة على اغتياله، وعلى اغتيال العالم النووي البارز، محسن فخري زادة، والذي يبدو أن للإسرائيليين دورا في اغتياله. ومردّ هذه التهدئة أملٌ يحدوها في تغيير السياسة الأميركية تجاهها مع قدوم الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، إلى سدة الرئاسة، واحتمال تخلُّصه من تركة سلفه، دونالد ترامب، التي كلفتها الكثير. أما الرد عن طريق الوكلاء، فقال المصدر العسكري الذي نقلت عنه القناة التلفزيونية إن أي عملية ينفذها حزب الله ضد أهداف إسرائيلية سيقابلها ضرب بنك أهداف كامل في لبنان. وهو ردٌّ سيكلِّف الحزب خسائر كبيرة ونقمةً بين الأوساط الشعبية اللبنانية، بسبب إسهامه في زيادة انهيار الدولة اللبنانية التي تقف على شفا حفرة من الانهيار على الصعد كافة.

في ظل هذه الأجواء، سيستمر الطيران الإسرائيلي في تنفيذ سياسة الاستهداف التي وضعها أمامه، وستكون سورية عرضةً لمزيدٍ من الآلام، ومناطقها وبنيتها التحتية لمزيدٍ من التدمير بفعل غارات الطيران الإسرائيلي الذي تمتنع روسيا عن ردّه بسبب اتفاق قيادتها مع الإسرائيليين لتنسيق العمليات العسكرية لتجنب الاحتكاك في الأجواء والمياه الإقليمية السورية. وكذلك بسبب عدم القدرة الإيرانية أو ربما غياب الإرادة، إضافة إلى ضعف قدرات الجيش السوري الدفاعية التي أنهكتها عشر سنوات من الحرب، وامتناع الحلفاء عن تعزيزها. وأمام هذا الواقع، يستمر المواطن السوري بدفع ثمن كل ما يجري على أرضه من انتهاكات، سببتها الحرب، وزادها، وربما سيزيدها أكثر، التأخر في إيجاد حلٍّ سلميٍّ لقضيته.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".