صراع المثال والواقع أميركياً.
حزيران 12, 2020

أسامة أبو ارشيد.

ثمَّة قراءتان متناقضتان لما تشهده الولايات المتحدة من احتجاجاتٍ مستمرة منذ قرابة ثلاثة أسابيع، غضباً على مقتل الأميركي الأسود، جورج فلويد، الشهر الماضي، خنقاً تحت ضغط ركبة رجل شرطة أبيض في مدينة مينيابوليس. أمام هذا المشهد المأساوي المفصليِّ، انفجر مكنون الغضب، ليس بين السود فقط، بل عند شرائح مجتمعية كثيرة في أميركا، بما فيها بيضٌ كثيرون، وانبعثت حركة حقوق مدنية جديدة تروم استئصال ثقافة التمييز العنصري، المؤسسية والممنهجة، التي عجزت أمامها التعديلات الدستورية والقوانين. أما رد السلطات، والذي تتفاوت درجاته وطبيعته بين المدن والولايات، فضلاً عن الحكومة الفيدرالية، فقد جاء، في جزءٍ منه، عنيفا، ليس فقط في مواجهة بعض أعمال الشغب والنهب التي رافقت الاحتجاجات، وهي أفعال أقلية، بل حتى في مواجهة المتظاهرين السلميين، كما جرى أمام البيت الأبيض مطلع شهر يونيو/ حزيران الجاري. وبالتالي، وجدنا قراءة تستغرق في التركيز على الثقافة المدنية الأميركية التي تُمَكِّنُ المواطنين من تحدي قوانين حظر التجوال والتظاهر، والاحتفال بذلك، في حين تستغرق الأخرى في عنف الأمن وتهديدات الرئيس، دونالد ترامب، بعسكرة التصدّي للاحتجاجات وتفريقها بالقوة، وتسخيف فكرة الحرية أميركياً.

والحقيقة أن القراءة الموضوعية هي وسط بين القراءتين الأولى والثانية، فهذه الأحداث عزّزت جدلية مفادها بأن أميركا، منذ تأسيسها، تعيش انفصاماً بين المثال والواقع، وبين القيمة والممارسة، وهي في صيرورة وجودها تخوض معركةً مصيريةً وحادة على هذه الأرضية. الحديث هنا ليس عن السياسة الخارجية الأميركية، على الرغم من أنها بالمناسبة مشمولة أحياناً في هذا النقاش، بقدر ما أنه محصور في الشأن الداخلي. يقدّم الصحافي الأميركي الأسود، ليز غرانديرسون، إدانةً قاسيةً بحق التجربة الأميركية: "كيف يمكن لدولةٍ ولدت من رحم إبادة عرقية، وبنيت على العبودية، وتحافظ على وجودها عبر نظام يضع الأقليات وراء نظرائهم من البيض، بهامش كبير، في كل مقياس اجتماعي - اقتصادي، أن تجد السلام؟". ومن ثمَّ لا عجب أن يكون شعار عشرات الآلاف من المحتجين في الشوارع الأميركية: "لا عدل، لا سلام".

كلمات غرانديرسون تلخص المشهد الذي نحن بصدده اليوم، بدءا منذ "اكتشاف" الأوروبيين لهذه البلاد عام 1492، وما تبع ذلك من عمليات إبادةٍ بحق السكان الأصليين. وبالمناسبة، مصطلح الاكتشاف" عنصريٌّ بحد ذاته، ذلك أنه يفترض مركزية الإنسان الأوروبي وينزع الإنسانية عن غيره. وشهد عام 1619 وصول أول موجةٍ من الرقيق السود إلى هذه البلاد. ولم يشفع لأصحاب البلاد الأصليين، ولا للسود، تشكيل الاتحاد الأميركي عام 1776، على أساس "العدالة والحرية"، إذ بقوا مضطهدين محرومين من الحقوق. ولعل ديباجة الدستور الأميركي الذي وضع عام 1778 وضحت تلك المفارقة الصارخة حينها، إذ نصت على: "رغبة منا في إنشاء اتحاد أكثر كمالاً، وفي إقامة العدالة، وضمان الاستقرار الداخلي، وتوفير سبل الدفاع المشترك، وتعزيز الخير العام وتأمين نِعَمِ الحرية لنا ولأجيالنا القادمة، نرسم ونضع هذا الدستور للولايات المتحدة الأميركية".

وفي سياق الاصطدام بين المثال والواقع، وبين القيمة والممارسة، خاضت الولايات المتحدة حرباً أهلية بين الشمال والجنوب، (1861 - 1865)، على خلفية رفض الجنوب تحرير العبيد. وعلى الرغم من إلغاء العبودية، وصدور تعديلات دستورية تنص على المساواة بين البيض والسود في الحقوق، إلا أن التمييز العنصري بقي قائماً في أميركا واقعاً وممارسةً، فكان أن انطلقت حركة الحقوق المدنية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، وحققت إنجازات كبيرة في سياق المساواة، إلا أنها لم تكن كاملةً، إذ لم تتمكّن من إلغاء الثقافة العنصرية المؤسسية والممنهجة إلى اليوم، وما هذه الاحتجاجات إلا دليل على ذلك. الأمر الآخر الذي ينبغي أن ننتبه إليه هنا أنه ليس السود وحدهم من عانوا العنصرية ماضياً في أميركا، بل هناك جماعات غيرهم، كالأميركيين من أصول آسيوية وألمانية وإيطالية، والكاثوليك، والمسلمين واللاتينيين اليوم.. إلخ. إلا أن السود عانوا ماضياً، وما زالوا يعانون حاضراً. ولا تزال الأقليات العرقية في هذه البلاد تنشد المساواة مع الأغلبية البيضاء. وإذا أمعنا النظر في التجارب السابقة، نجد أن الصدام بين المثال والواقع بقي ملازماً لصيرورة الولايات المتحدة، فعندما استهدف الأميركيون من أصول يابانية وألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، كانت هناك حركة مضادة لذلك. وعندما تمادت الحقبة المكارثية، (1949 - 1954)، في استهداف من يشتبه أنهم شيوعيون أو يتعاطفون معها، وأغلبهم كانوا من البيض، كان هناك ضغط مقابلٌ ناجح لوقف تغوّلها.

وإذا ما تجاوزنا تلك المحطات التاريخية وتحدثنا عن الحاضر أميركياً، فإن هذه الاحتجاجات تغدو محطةً أخرى من محطات الانفصام بين المثال والواقع، وبين القيمة والممارسة، والصدام على تلك الأرضية. وبالتالي، إذا ما تحدّثنا عن محاولات ترامب عسكرة التصدّي لاحتجاجات، في معظمها سلمية، مكفولة دستورياً، ونجاحه، نسبياً، عبر استخدام العنف من أجهزة أمن فيدرالية وقوات من الحرس الوطني، في فضّ اعتصام سلمي أمام البيت الأبيض مطلع شهر يونيو/ حزيران الجاري، فإنه ينبغي أن نتحدث في الوقت ذاته عن استياء المؤسسة العسكرية، بل وتعويقها محاولاته نشر قوات نظامية في واشنطن والمدن والولايات الأميركية، تحت ضغط القيم الدستورية. كما ينبغي الإشارة إلى انتقاد أربعة رؤساء أميركيين سابقين خطابه وأساليبه. وينسحب الأمر نفسه على إدانة خمسة وزراء دفاع سابقين، من الحزبين، له، وكذلك عشرات من كبار الجنرالات المتقاعدين، بعضهم ممن عملوا سابقاً في إدارته.

كل هؤلاء رفضوا التعدّي على الحق المكفول دستورياً للمتظاهرين في التعبير عن رأيهم والتجمع والاحتجاج السلمي. وكل هؤلاء رفضوا تسييس المؤسسة العسكرية، على غرار ما جرى من تسييس لوزارة العدل برئاسة وليام بار، والذي هو نفسه اليوم في عين العاصفة، بعد مطالبة أكثر من 1250 مسؤولاً كبيراً سابقاً في الوزارة، ومن الحزبين، بالتحقيق في أدائه ودوره في إعطاء الأوامر في حادثة الاعتداء على المتظاهرين السلميين أمام البيت الأبيض.

باختصار، لا زالت أميركا تعيش ذلك الصراع على أرضية الثنائية التضادّية ما بين القيمة والممارسة، ويبقى السؤال مطروحاً: من سينتصر في النهاية؟ شخصياً، أظن أن القيمة والمثال اكتسبتا مزيداً من الزخم الآن، خصوصاً وترامب يقبع اليوم معزولاً في البيت الأبيض يهدد بـ"الأمن والنظام"، في حين تحاول بعض الولايات والمدن، فضلاً عن جهود في الكونغرس، إجراء إصلاحات في أجهزة الشرطة وتعاملها مع المواطنين. لكن هذا لا يعني أن ترامب ومن حوله من قوى الكراهية والعنصرية، وهم كثيرون ويستندون إلى قاعدة شعبية صلبة، وإن لم تشكل أغلبية، قد هزموا، وربما سنعرف الإجابة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بعد أقل من خمسة أشهر.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".