طالبان .. الثابت والمتغيّر
آب 28, 2021

د. وائل نجم

الحدث العالمي الأسبوع الماضي كان أفغانياً بامتياز. فحركة طالبان استطاعت خلال وقت قياسي قصير، وبعد قتال للاحتلال الإمريكي لأفغانستان قرابة عشرين عاماً، استطاعت أن تستعيد السيطرة على معظم الولايات الأفغانية وصولاً إلى دخول العاصمة "كابل" الأحد الماضي والسيطرة على كل مرافق الدولة الأفغانية بعد فرار الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، وإعلان البلاد إمارة إسلامية.

الكلّ بات يدرك ويعلم أنّ ما حصل بهذه السرعة القياسية وهذه الكيفية هو نتيجة تسوية أو تفاهم بين الإدارة الأمريكية وبين الحركة، ومن دون أن يعني ذلك إدارة الظهر أو تجاهل عشرين عاماً من القتال والمواجهات والأثمان الباهضة من الطرفين، حتى أنّ متحدّث باسم طالبان أشار إلى سقوط قرابة خمسين ألفاً من عناصر الحركة في المواجهات خلال هذين العقدين، ما يعني أنّ الانسحاب الأمريكي، والتسوية بين الطرفين هو أيضاًَ حصيلة تلك المواجهات والأثمان الكبيرة على الطرفين، حتى أنّ المتحدث الرسمي باسم الحركة اعترف، كما اعترفت الإدارة الأمريكية أنّ ما حصل هو تفاهم وتسوية والكلّ ملتزم بها لغاية تصريحات المتحدثَين. كما وأنّ الجميع يدرك أنّ مفاوضات طويلة وماراتونية بدأت في أبو ظبي بين طالبان وواشنطن، ثم انتقلت إلى الدوحة وأسفرت عن هذه التسوية.

وبغض النظر عمّا أرادته طالبان من التسوية، وعمّا أرادته الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا يكثر الكلام والحديث عن هدف لكلّ منهما، بدأ الحديث عن مستقبل أفغانستان في ظل طالبان، ومعه بدأت الأسئلة المحيّرة والكثيرة والتي تحتاج إلى إجابات حول الحركة ومدى تغيّرها أو تمسكّها بما كانت عليه قبل أكثر من عشرين عاماً.

والمعروف أنّ حركة طالبان وُلدت منتصف تسعينات القرن العشرين كردة فعل على القتال الذي دار بين فصائل الجهاد الأفغاني بعد طرد الاحتلال السوفياتي، وبعد إسقاط النظام الذي كان قائماً في كابل، وقد لوّث ذلك القتال الجهاد وأفسد النصر الذي تحقّق بفعل الصراعات على السلطة والحكم، وقد خرجت طالبان، وهي تعني طلاب العلم الشرعي، خرجت من المدارس الشرعية وتوجّهت، في حينه، لحسم الأمور وإرساء الاستقرار عبر إنهاء الصراعات بين الفصائل، وكان لها ما أرادت حيث تمكّنت وقتها من بسط نفوذها وسيطرتها على معظم الأراضي والمناطق الأفغانية باستثناء مناطق قليلة، غير أنّها لم تقدّم إنموذجاً جاذباً في الحكم وفي ممارسة السلطة بحيث أنّها نجحت يومها في تأمين الاستقرار العام في أفغانستان وإنهاء كل مظاهر الحروب والصراعات وكثير من مظاهر الفساد وحتى محاربة الجريمة لا سيما زراعة وتجارة المخدرات، غير أنّها لم تفلح في كسب الاعتراف الدولي بها، فلم يعترف بها في حينه سوى ثلاث دول هي باكستان والسعودية والإمارات، كما وأنّها على مستوى ممارسة السلطة في الداخل، فشلت في استقطاب القوى السياسية وفصائل الجهاد كي تكون جزءاً وشريكاً حقيقياً وفعلياً في إدارة الدولة، ناهيك عن ممارسة السلطة بأشكال وأساليب تعود إلى القرون الغابرة، ولعلّ ذلك لقلّة خبرتها وضيف أفقها، وقد دفعت الثمن غالياً عندما اتهمت أمريكياً بإيواء تنظيم القاعدة المسؤول أمريكياً عن حادثة برجي التجارة العالمي في أيلول 2001، وقد كان ثمن ذلك العدوان الأمريكي على أفغانستان في العام 2001 وإسقاط نظام طالبان.

اليوم تعود طالبان إلى كابل، وإلى السلطة بغير الوجه الذي كانت معروفة به. فمنذ اللحظة الأولى لدخول كابل رافقت الحركة عدسة الاعلام التي نقلت دخول قصر الرئاسة على الهواء مباشرة، في حين أن الحركة قبل عشرين عاماً كانت ترفض وجود كاميرا تصوير واحدة في البلاد. لقد دخل مقاتلو الحركة القصر ولم يمسّوا شيئاً فيه باستثناء إزلة علم البلاد وبكل احترام وهدوء، في حين أنّهم كانوا قبل عشرين عاماً يحطّمون فوراً ما يرونه مخالفاً للشريعة والشرع. سمحوا بالتظاهر في كابل وخاصة للنساء، في حين كنّا لا نعرف ما يجري داخل أسوار أفغانستان قبل نحو عشرين عاماً. طلبوا من الموظفين ومن أركان النظام السابق البقاء في وظائفهم والعودة إليها للقيام بما هو مطلوب منهم، في حين أنّهم لم يكونوا يلحظوا مثل هذه الأمور قبل عشرين عاماً. تعهّدوا بحماية البعثات الدبلوماسية حتى تلك العائدة لدول كانت تنناصبهم العداء، في حين أنّهم قبل عشرين عاماً لم يقيموا وزناً لهذا الاعتبار. والسؤال المحيّر أو الأساسي هنا: هل تغيّرت طالبان؟ أو هل تخلّت طالبان عن مبادئها واختارت المصالح على الثوابت؟ أم ترى هذه هي الحركة على طبيعتها غير أنّ تجربتها قد نضجت أكثر من ذي قبل؟

ولمعرفة ذلك لا بدّ من معرفة أنّ طالبان (طلاب العلم) هي حركة وطنية تنتمي إلى النسيج الأفغاني المحافظ والمؤمن وصحاب العادات المعروفة أكثر منه حركة إسلامية بالمفهوم الحديث الذي يربط الحركات الإسلامية بمبادىء وثوابت إسلامية، وهذا بالطبع لا ينفي عن حركة طالبان صفتها الإسلامية، وهي الحركة التي ينتمي قادتها، بل وأغلب مقاتليها إلى المدارس الشرعية، بل يعني أنّ تكوين الحركة وفهمها للأمور ينسجم أكثر مع معتقدات وتقاليد وأعراف المجتمع الأفغاني المؤمن المسلم الذي بغالبيته الساحقة يتبنّى فقه الإمام أبي حنيفة، ومعتقد الإمام أبي منصور الماتريدي السنّية، وطريق التصوّف كحالة تزكية للنفس للارتفاء بها نحو الكمال وتهذيبها من الشوائب. وطالبان جزء من هذا الفقه والمعتقد والتصوّف، ولعلّ هذا ما جعل لها تلك القوّة والحضور والدور والاستمرار، وهو ما طوّر تجربتها بعد عشرين عاماً من القتال ضد الاحتلال، ولعلّ أهم ما نجحت فيه طالبان من دون أن تتخلّى عن ثوابتها هو أنّها تمكّنت أن ترسم لنفسها وللشعب الإفغاني هدفاً يتمثّل بتحقيق الاستقرار والخروج من مستنق الدم والحروب، وهو ما سمح لها بدخول مفاوضات وإبرام تسويات حتى مع عدوّها لتحقيق هذا الهدف.

باختصار، طالبان هي طالبان. حافظت على ثوابتها المنسجمة مع مجتمعها وثقافته، غير أنّ فهمنا للحركة كان ينزلها في مقام الحركات التي نعرفها ونعرف الموازين التي نزينها بها في حين لطالبان ميزان مختلف بدأنا نتعرف عليه حديثاً ومع الحدث الذي استجد في كابل.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".