طرابلس .. لا إمارة ولا قندهار.
كانون الثاني 30, 2021

بيار عقيقي.

إذا كان من شيءٍ رسّخته تظاهرات مدينة طرابلس اللبنانية أخيرا، فهو مدى إصرار الجمهور الطائفي ـ الحزبي في لبنان على اعتبارها موئلاً للمواطنين ذوي الدرجات، الثانية والثالثة والرابعة، أي كل شيء عدا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. دائماً ما يأتي الحديث من هؤلاء على عاصمة الشمال اللبناني بصيغة أن "طرابلس أقلّ شأناً من باقي المدن والمناطق اللبنانية". هذا التصوّر الأبدي في وعيهم ولاوعيهم، يتيح لهم إطلاق صفاتٍ عدة على طرابلس، سواء صفة قندهار، تشبيهاً بحالات التطرّف في قندهار الأفغانية، أو "إمارة طرابلس" في إشارة إلى أن التطرّف المذهبي يقرع أبواب المدينة.

هذا النوع من الجمهور الطائفي ـ الحزبي لا يريد تفسير أي تظاهرةٍ محقّة ولا خلفياتها، بل يرغب، بمعية جيش إعلامي ـ سياسي ـ مالي، في رمي التهم على فقراء المدينة، عبر اتهامهم بأنهم "عملاء" أو "مدفوعو الأجور"، أو بالدعوة إلى "قصف المدينة وإبادتها" في أسوأ الحالات، أو "فصلها عن لبنان" في أفضلها. هذا الجمهور الخاضع لمنظومةٍ تسوّق أن الفقير في لبنان هو لصّ، وأن الغني هو "حربوق" (حصل على أمواله بالاحتيال والسرقة، لكن هذا الجمهور يمجّد ذلك ويعتبره بطلاً). هذا الجمهور يسعى إلى البقاء على تماسّ مع الأغنياء والأوليغارشيين، عبر الالتصاق بهم، واعتبارهم محقّين دائماً، فيما يواصل إذلال الفقراء وإطلاق أبشع النعوت عليهم. لكن هذا الجمهور الطائفي ـ الحزبي لا يريد وضع نفسه مكان الطرابلسيين، ولا التفكير بما يفكّرون به. مجرم من لم يزر طرابلس وأحياءها الداخلية ويتهمها زوراً، وظالمٌ من زارها، ويريد إنكار حقيقة المدينة فقط لإشباع "إيغو" خاص به.

في تسعينيات القرن الماضي، مع بدء خروج لبنان من حربه الأهلية (1975 ـ 1990)، كان الحديث عن كل منطقةٍ لبنانيةٍ بمثابة حديثٍ عن بلد آخر. لمن لا يعرف لبنان، عليه معرفة أنه في سني الحرب الـ15، كانت المناطق اللبنانية مفكّكة ومعزولة عن بعضها بعضا، وأشبه بجزر متناثرة في مساحة صغيرة لا تتجاوز الـ10452 كيلومتراً مربعاً. في تلك الأيام، زرت طرابلس للمرة الأولى، كمن يسافر إلى أوروبا أو الصين أو الولايات المتحدة. لم أجد ما تختلف به المدينة عن مثيلاتها في لبنان، بل تتمتّع بخصائص متنوّعة كباقي المناطق، و"التنوّع دليل تقدّم"، أليس كذلك؟

لذلك، حين أرى أن عديدين من الجمهور الطائفي ـ الحزبي، سواء عبر الإعلام أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يصرّون على وسم طرابلس بالتطرّف، أعلم أنهم يتحدّثون عن أنفسهم، وأنهم يُبرزون طائفيتهم ومذهبيتهم عند الحديث عن طائفةٍ أخرى ومذهبٍ آخر. هذا النوع من الطائفيين يبحث عما يُمكن أن يُشبع غليله المذهبي، لإسباغه على جميع الطرابلسيين، ولتأكيد موقفه الرافض لهم، بغضّ النظر عن قدرته على فرض هذا الموقف. هذا النوع قد يكون طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو أستاذ تاريخ أو عالم نفس أو غيره من المصنّفين "متعلمين" يفترض أن يعملوا على خط كسر القوالب النمطية، لكنه في النهاية يبحث عما يُمكن أن يريحه، أي البعد الطائفي لكل رؤى الحياة والمجتمع وتفاصيلهما. لا ينبع هذا البعد من الخوف "من المجهول"، ولا من "الحفاظ على المكاسب"، بل من جهلٍ مكتسبٍ لا يرغب هذا المتعلم في تغييره باكتشاف المعرفة.

حين يعترف هذا الجمهور الطائفي ـ الحزبي بأن الفقر حقيقة، وليس وهماً، وأن انقطاع الأدوية وحليب الأطفال من الصيدليات واقع وليس كذباً، وأن الناس تجوع فعلاً لا قولاً، حينها يُمكن أن يستعيد بعضاً من إنسانيته، ويعلم أن ما جرى ويجري في طرابلس سيُصبح حالةً عامةً في كل لبنان. لكنني أدرك أن محدودية هذا الجمهور تجعله عاشقاً لنظريات المؤامرة، ومحباً للتقسيم المناطقي ـ المذهبي في لبنان، وصانعاً أي حالة خراب مستقبلية.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".