عن احتمال إدارة إيران لبنان.
شباط 13, 2021

بيار عقيقي.
يناقش كثيرون في لبنان إمكانية "تسليم إدارته إلى إيران في المرحلة المقبلة"، بصورةٍ مشابهة لتسليمه إلى سورية في عام 1990، على خلفية اجتياح العراق الكويت، وحاجة التحالف الدولي ـ العربي آنذاك إلى الجبهة السورية الشرقية لإسقاط صدّام حسين. يبني هؤلاء تصوّرهم على مبدأ أن "لبنان غير قادر على حكم نفسه"، كعادته في تاريخه، بفعل استمرار سلطة الطوائف، معزّزة بسطوة أمراء الحرب ورجال الأعمال. لكنهم، في المقابل، ينسون أن الإدارة الإيرانية للبنان تعني، حكماً، إدارة إيرانية مماثلة للعراق وسورية، بفعل الحاجة إلى الترابط الجغرافي الممتد من طهران إلى بيروت، أي الطريق نفسه الذي تُغير عليه الطائرات الإسرائيلية، من وقتٍ إلى آخر، بحجّة نقل أسلحة. وتعني أيضاً التسليم بانتشار إيراني على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، من سورية إلى لبنان. وتعني هذه الفرضية تجاهل كل موازين القوى الحالية، سواء الانتشار الأميركي في العراق وسورية، أو الروسي والتركي في سورية، والإقرار بدور إيراني صرفٍ في بغداد ودمشق.
إلى أي حدّ يُمكن أن تُصدّق تلك الفرضية؟ صحيحٌ أن الأميركي يملك القدرة على المساومة في كل مكان وزمان، شرط البقاء مسيطراً، وصحيح أن همّ إدارة جو بايدن منصبّ على مواجهة الصين، لكن الصحيح أن الأميركي لن يبادل الملف النووي الإيراني بمنح الإيرانيين مناطق نفوذ واسعة إقليمياً، فلو قرّرنا تطبيق النظرية نفسها على كوريا الشمالية مثلاً، لكان الأميركي سمح لها في اجتياح الجنوب الكوري، وصولاً إلى اليابان والهيمنة على مداخل بحر الصين الجنوبي. ثم، إذا كان الأميركي يريد معالجة الملف النووي الإيراني، عبر الضغط والتصعيد عشية اقتراب مهلة انتهاء البروتوكول الإضافي في 21 فبراير/ شباط الحالي، فهل سيسمح في التمدّد الإيراني على تخوم شرق المتوسط، بما قد يؤدّي إلى عكس كل نواياه وأهدافه السابقة في منع طهران من التوسّع؟
وحيال المقاربة مع تسليم سورية الملف اللبناني، تبدو الفوارق واضحة وواسعة. كان حافظ الأسد مرناً بما يكفي للاتفاق مع الأميركيين على مهاجمة عراق صدام حسين، وعدم التشديد على استرجاع الجولان المحتلّ في خضمّ التسوية التي نشأت على عجل بعد اجتياح العراق الكويت في أغسطس/ آب 1990، بل اكتفى بالسيطرة على لبنان والقرار اللبناني، صانعاً ستاتيكو ظلّ معمولاً به حتى الانسحاب السوري في إبريل/ نيسان 2005. كان الأسد نفسه براغماتياً في مؤتمر مدريد (1991) والمفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، وصولاً إلى التمسك بوديعة إسحاق رابين (الجولان مقابل السلام). عملياً، لم يكن يملك أوراقا كثيرة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي (1991)، وهو ما جعله يسعى إلى إتمام أي اتفاق يسمح في ديمومة نظامه، أو أقلّه المماطلة في التفاوض بما قد لا يهدد النظام.
الوضعية مع إيران مغايرة اليوم. الروسي ليس سوفييتياً، والصيني لا يزال بعيداً جداً نظرياً في التعاطي في أي ملفٍ دقيق. كذلك، فإن إيران، في عام الثورة الـ42، على عتبة مرحلة مفصلية تاريخياً، إذ صودف في السنوات الأخيرة أن أنظمة عدّة تعرّضت للاهتزاز أو سقطت في عقدها الرابع، مثل سورية وليبيا وتونس. عدا ذلك، بات المتشدّدون في إيران أقرب إلى رئاسة الجمهورية في رئاسيات يونيو/ حزيران المقبل، وهم الذين يدفعون إلى الخروج من الاتفاق النووي، ردّاً على العقوبات الأميركية. بالتالي، فإن التحليلات اللبنانية حول احتمال تسليم لبنان لإيران، تعزل لبنان عن الخريطة الجيوبوليتيكية في المنطقة، وتراه جزيرة معزولة تتناتشها قوى خارجية، ولا يربطون تأثير مثل هذا التمدّد على دول الجوار ولا على الاحتلال الإسرائيلي، في صورة مناقضة لأبسط أدبيات المنطق والتحليل. الأقرب إلى الواقع أن شيئاً ما سيحدث حتى يونيو المقبل، وهو مرتبط بالملف النووي الإيراني، وسيُفرز وضعاً جديداً في المنطقة ولبنان، لكنه بالتأكيد لن يتجلّى بتلزيم دولة لأخرى.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأب صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".