عن الخبث في لبنان.
نيسان 25, 2020

بيار عقيقي.

الكذب سمة تقليدية في عالم السياسة، أما في لبنان فإن الخبث يتفوق عليه بأشواط، بفعل "ميزاته" التراكمية من طوائفية وطبقية ومناطقية وتوزع ولاءات لدول خارجية. والخبث، لمن لا يعرف، هو سمة الشخص الذي يرغب في استيلاد هالةٍ من القوة مبنية على عناصر موهومة، بغية إبعاد "المتطفلين" عنه. هذا النوع من الأشخاص يقترب من كل شخص ويبتعد عنه وفقاً لمبادئ الخبث، لا مبادئ الإنسانية أو المصلحة العامة. وباسم "المصالح المتبادلة" بين الخبثاء يكون العالم بألف خير، وباسم تشابكها تُفتح أبواب الجحيم، ولا يدفع الأثمان سوى من كان حظهم سيئاً إلى درجة وقوعهم فيما بين هؤلاء. وما ينطبق على الفرد ينطبق على الأحزاب والتيارات والمنظومات.

في لبنان، تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار، في مرحلةٍ هي الأسوأ في تاريخ البلاد اجتماعياً واقتصادياً. لا أحد يمكنه اعتلاء قوارب النجاة بسهولة هذه المرّة. الانهيار الاقتصادي أقوى بكثير من قدرة هذا النظام وأحزابه وتياراته على التحايل عليه أو الالتفاف حوله. لذلك، يعمل الخبثاء على تصفية حساباتهم فيما بينهم، وكأن تعايشهم نحو ثلاثين عاماً من عمر جمهورية الطائف التي أوقفت الحرب اللبنانية (1975 – 1990)، انتهى. الآن باشروا برمي المسؤوليات على بعضهم بعضا، مع رفع منسوب الصراخ، كي يطغى على أي صوت آخر. لا قدّيس في الحرب بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وخصومه، سوى الناس الذين سُرقت ودائعهم وأموالهم وحقوقهم منذ ما بعد الحرب، تماماً كما هُمّش قبلهم في سنوات ما قبل الحرب في نظام لبناني رديء التشكيل. تريد الأحزاب تصفية حساباتها مع سلامة، لأسبابٍ مرتبطةٍ بها، ويريد سلامة الدفاع عن موقعه لأسبابٍ مرتبطة به. كل الأسلحة مشروعة: الاحتماء بطائفة، استغلال وجع الناس للتصويب على طرفٍ دون آخر، الاستنجاد بقوى خارجية.

ليس المهم في هذه المرحلة تأييد فريق دون آخر، كي لا يتحوّل المواطن فجأة إلى رقم إضافي في حرب شعواء بين الطرفين، خصوصاً أن لا أحد يهمه حقاً ما يريده الناس في لبنان. انظروا فقط إلى عقود ما بعد الحرب: لا بنى تحتية فعلية، قطاع الكهرباء والمياه في معاناة مستمرة، الوكالات الحصرية في النفط والمواد الأساسية دمّرت البلد، الاقتصاد الريعي همّش قطاعي الصناعة والزراعة، الأملاك العامة بحراً وبراً منهوبةٌ من الطبقة المشاركة في الحكم، الجميع سرق أو غطى سرقة الأموال العامة بحجج واهية، التعليم الخاص باهظ الكلفة والرسمي ممنوع من التطوّر، كذلك الأمر بالنسبة للطبابة، إدارات الدولة أشبه بصناديق عامرة بالرشى وسوء الخدمات، التنقيب عن النفط سرق من عمر البلاد عشر سنوات من أجل القيام بتعييناتٍ طائفية، قوانين انتخابات مشوّهة، انتخابات رئاسية غير سليمة مترافقة مع تجميد البلاد، استحداث صناديق مناطقية أو خدماتية لدعم زعيم ما أو حزب ما باسم "حقوق الناس"، السكن غير مؤمن للناس، لا بالملك ولا بالإيجار، مطامر النفايات تتمدّد في البلاد، السلاح متفلّت في الشوارع. حسناً، ماذا تنتظرون من بلادٍ يحكمها أمراء حرب وأحزاب منتفعة ورجال دين وإقطاع مالي؟ هل سيقوم من بينهم من يريد تلبية رغبة الناس؟ أكيد لا، لأن الجميع بتورّطهم في المنظومة الحاكمة منذ 1992 لا يرغبون بأكثر من تعديل موازين القوى لمصلحتهم، لا لمصلحة الناس. فلو أن أي حزب أو تيار يريد فعلاً مصلحة الناس، لبادر إلى خطواتٍ فعليةٍ برلمانياً وحكومياً لحماية حقوق المواطن، لا في مرحلة ما بعد 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بل في أي فترة في الأعوام الثلاثين الأخيرة. ولكنهم عملياً لا يريدون ذلك، بل هم مستعدون للتسوية فيما بينهم في أي لحظة، كما جرت العادة. المهم عدم المساس بمصالحهم، أما الناس فليسوا سوى عشب يُداس عليه في صراع دِببة.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الوادرة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".