عن حرية التعبير في العراق
حزيران 07, 2022

إياد الدليمي

يطالعني، من وقت إلى آخر، تقريري الذي نشرته في مطلع عام 2004 في إحدى وكالات الأنباء الأجنبية، وعنوانه "سماء بغداد تمطر صحفاً"، فما زالت الشبكة العنكبوتية تحتفظ بهذا الأرشيف. ما إن تبحث عن واقع الصحافة في العراق حتى يصادفك هذا التقرير الميداني الموسع، والذي كان يتحدث عن نحو مائتي صحيفة ومجلة مطبوعة في العراق بعد أقل من عام على الغزو الأميركي.

وفعلا كانت السماء حينها تمطر صحفا، فأنت لا يمكن لك أن تحصي عناوين الصحف التي صدرت وقتها، فما من حزب سياسي ولا تجمع مدني، ولا هيئة مدنية أو منظمة عامة، إلا وكانت له صحيفته الخاصة، بل حتى قوات الاحتلال الأميركي أصدرت صحفا حينها. وأتذكر أنني سألت مسؤولا في نقابة الصحافيين العراقيين عن عدد الصحف في العراق، فلم يجد جوابا "لا أستطيع أن أعطيك رقما سرعان ما يتغير".

استبشر عراقيون عقب الغزو الأميركي بنهاية حقبة تكميم الأفواه، وراح أساتذة في علم الاجتماع يحللون ظاهرة هذه السماء الملبدة بالصحف، والتي تمطر صحيفةً كل ساعة أو أقل، مؤكّدين أن ذلك تعبير عن حالة الكبت التي كان يعاني منها العراقيون في ظل سياسة الحزب الواحد والإعلام الموجّه. ولكن تلك البشائر سرعان ما بدّدتها رصاصات الاغتيال التي بدأت تطارد كل صوتٍ حرّ مناهض للغزو ولعمليته السياسية العرجاء، بل كل صوتٍ يمكن أن ينتقد متنفّذا، مسؤولا أو غير مسؤول. حينها، قال لي رئيس تحرير الصحيفة التي كنت أعمل فيها "سابقا، كنّا نعرف الخط الأحمر، الآن لم يعد هناك خطّ أحمر، بل خطوط. والمشكلة أنك لا تعرف أي خطٍّ أحمر ستزعج بكتابتك". حينها قرّر أستاذنا المشار إليه تكميم فوّهة قلمه، وغادر الصحافة، إلى غير رجعة، ومثله فعل كثيرون.

حلّ العراق في المرتبة 172 من 180 دولة، شملها تصنيف حرية الصحافة الذي أصدرته أخيرا منظمة مراسلون بلا حدود، متراجعا تسعة مراكز عن تصنيف العام 2021، ما يؤكّد أن أكذوبة حرية التعبير انكشفت بعد 19 عاما من الاحتلال الذي بشّر العراقيين بديمقراطية ستكون محطّ إعجاب شعوب الشرق الأوسط. وعندما نتحدّث عن حرية التعبير في العراق، لا بد من الإشارة إلى تلك الأجواء المفعمة بالخوف والتهديد والقتل والمطاردة التي رافقت الصحافيين العراقيين منذ 2003، أجواء خلقتها أحزاب السلطة التي ما بدّلت ولا تبدلت منذ ذلك التاريخ، فكواتم الصوت التي كانت تلاحق كل صوت معارض، والتغييب، والمطاردة، كلها دفعت صحافيين كثيرين إما إلى إعتزال مهنة الموت أو إلى الفرار خارج العراق، ولعل مطالعة أعداد الضحايا من الصحافيين والإعلاميين الذين قتلوا في العراق، ووصلت إلى 373 صحافيا قتلوا منذ الغزو، تبيّن بما لا يقبل الشك أن العراق بيئةٌ لا تعرف عن حرية التعبير شيئا.

وإذا كانت عمليات اغتيال الصحافيين ومطاردتهم وتغييبهم سابقا تسجل ضد مجهول، معلومٌ لكل عراقي، فإن الأمر أخذ، خلال الآونة الأخيرة، منحنىً خطيرا، تمثل في إصدار مذكرات اعتقال بحق صحافيين وإعلاميين ونشطاء، لا تهمة لهم سوى انتقاد واقع معين. ولعلنا هنا نشير إلى عدد من مذكّرات الاعتقال والقبض التي صدرت أخيرا بحق صحافيين عراقيين، لمجرّد أنهم انتقدوا مؤسسة حكومية أو شخصية سياسية، أما الدينية فلا أحد يجرؤ على انتقادها، لأنه حينئذ لن ينتظر صدور مذكّرة اعتقاله، وإنما شهادة وفاته.

في مقابلة له على برنامج المحايد على شاشة العراقية الحكومية، انتقد الإعلامي العراقي سرمد الطائي رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، قائلا إنّ "وجود زيدان يمثل ظهور دكتاتورية جديدة في البلاد، حيث تطاول مذكرات الاعتقال أي معترضٍ على رئيس مجلس القضاء"، فضلا عن انتقادات وجّهها الطائي إلى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، وقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني. فما طلع الصبح حتى كان زيدان في الموعد، وأصدر فعلا مذكرة اعتقال بحق الطائي، ولم يكتف بذلك، بل أصدر أمرا قضائيا آخر بوقف برنامج "المحايد" على شاشة العراقية الذي يعتبر من أميز البرامج التي قدّمت على مر تاريخ شاشة العراقية منذ 2003. طبعا ناهيك عن تحريك رئيس مجلس القضاء الأعلى جوقة من الجيوش الإلكترونية التي ما انفكّت تهاجم الطائي وبرنامجه التلفزيوني ومقدّمه وحتى قناة العراقية.

لقد تحول استهداف الصحافة والصحافيين في العراق إلى استهداف ممنهج، تقوده أعلى سلطة في البلاد، وهي سلطة القضاء التي يبدو أنها باتت الواجهة الفعلية لقيادة العراق، على الرغم من تعدّد الواجهات القيادية والمرجعية والدينية، ما يؤشّر إلى حالة كارثية لم يسبق لها مثيل من تنميط القضاء، وجعله قاطرة لسحق كل رأي معارض، بدلا من أن يكون هو الحامي الأصيل لحرية التعبير.

تبكي سماء العراق اليوم على ما كان حلما طرّزته في لحظة مجنونة من عمر الزمن؛ أقلام صحافيين كانوا يحلمون يوما بأن يوفر لهم عراقهم الجديد سقفا لا حدّ له، ليقولوا فيه ما يعتقدون أنه صواب، من دون ترهيب أو تكميم أو خوف، فلقد تبدّد الحلم سريعا، وباتت حرية التعبير تواجه مستقبلا أشدّ قتامة من قتامة وقوعها تحت سلطة الأحزاب ومليشياتها.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".