عن رغيف الخبز كمادة للإذلال
تموز 28, 2022

وائل نجم

منذ بضعة أيّام تشهد الأفران في لبنان طوابير طويلة من المواطنين يصطفّون أمامها ليلاً ونهاراً وتحت أشعة شمس تموز الحارقة من أجل الحصول على ربطة خبز واحدة من القياس الكبير، وأخرى فقط من القياس أو الحجم الصغير، وتضم كل ربطة منهما ستة أرغفة فقط، فهي بالكاد تكفي عائلة من خمسة أشخاص ليوم واحد إذا اقتصدوا في تناولها.

كان اللبناني يشتري الخبز ويوزّعه على أقربائه وجيرانه ومعارفه كنوع من الصدقة والتقرّب إلى الله، حتى أنّ الطيور وبعض الحيوانات كان يلحقها شيئ من فتات الخبز الجاف الذي لا يذهب سدى. وكانت ربطة الخبز سابقاً تحوي عشرة أرغفة، وكان حجمها ووزنها أكبر من التي يحصل عليها اللبناني اليوم. وكان سعرها منذ زمن ليس ببعيد ألف وخمسماية ليرة لبنانية.

اليوم تغيّر كلّ شيء. الوزن تراجع، والحجم تقلّص، والجودة لم تبق كما كانت، والعدد انخفض، والحصول عليها بات يحتاج إلى وقفة بالطابور تحت أشعة الشمس الحارقة، والكمية التي يمكن أن يحصل عليها ربّ الأسرة هي ربطة كبيرة وأخرى صغيرة فقط. لقد تغيّر كل شيء له علاقة بالخبز، فلماذا تغيّر هذا الشيء؟ ولماذا بتنا نعيش حالة القلق والخوف من الجوع ومن عدم الحصول على ما يقي أطفالنا الجوع ويملأ أمعاءهم الخاوية؟

إنها سياسات أولئك الذين أوصلوا الأمور إلى هذا الدرك من الانهيار والعجز. إنّه الفساد الذي أتاح نهب وسرقة مقدرات البلد وأموالها ويريد أن ينهب ويسرق مستقبلها. إنّها السلطة المتحكّمة بالرقاب ولا تريد أن تجد الحلول للأزمات، إنّها المافيا التي تريد أن تمصّ ما بقي من دماء في شرايين الناس ومن أموال في جيوبهم دون أن يرفّ لها جفن.

ليس هذا فحسب، بل هناك الحصار المفروض على هذا البلد، الذي يراد له أن يكون فقيراً معدماً طائعاً مسلوب الإرادة والقوّة. إنّه الحصار الذي يريد أن ينهب نفط اللبنانيين من بحرهم بعدما حمى ودافع عن أولئك الذين نهبوا أموال اللبنانيين من خزائنهم وجيوبهم وحساباتهم المصرفية.

لبنان عاش خلال العامين الماضيين أزمات عديدة وكثيرة ، كان وما زال الهدف منها إرغام اللبنانيين الأحرار على الإذعان لأيّة تسوية أو صفقة تكون على حسابهم، تكون بمثابة الإقرار بالهزيمة والخضوع والانقياد، من أمة طوابير الحصول على المحروقات، إلى أزمة ارتفاع أسعار الدواء، إلى أزمة الكهرباء التي حوّلت أسطح المباني في لبنان إلى غابة من الألواح الشمسية، إلى أزمة تعطيل وشلّ إدارات الدولة من خلال إضعاف وإفقار الموظف ودفعه إلى تعطيل المرفق العام وتالياً حياة المواطنين ومصالحهم.

اليوم الدور أتى على الخبز، على الرغيف، من أجل تجويع اللبنانيين وإذلالهم وإخضاعهم حتى يعطوا الطاعة عن يد وهم صاغرون. اليوم يريدون أن تكون الفوضى والثورة في كل بيت وعلى كل ربّ أسرة، وفي كل ناحية حتى تضج الدنيا ويخرج الناس معلنين الاستسلام ورفع الرايات البيضاء. إنّه زمن استخدام رغيف الخبز من أجل صفيحة النفط فهل تولّد هذه الثورة داخل المنازل على الآباء ثورة داخل البلد على طغيان الفساد والطبقة المنجرفة مع أطماع وأحقاد المتطلعين إلى نفط لبنان وغازه؟! أم ترى سيكون اللبناني ميّالاً أكثر إلى الاستسلام والهزيمة وتالياً الانقياد من أجل إعادة الدعم إلى رغيف الخبز؟ سننتظر ونرى ما سيكون عليه الحل والحال.