عن شيطنة طرابلس في لبنان.
تموز 18, 2020

وائل نجم.

دأبت مواقع إلكترونية، وصحف لبنانية معروفة التمويل والانتماء، في الأيام والأسابيع القليلة الماضية، على نشر تقارير صحافية ركّز معظمها على ما يمكن تسميتها محاولة "شيطنة" شمال لبنان، ومدينة طرابلس تحديدا، وتزامن نشْر هذه التقارير مع تصريحات لمسؤولين لبنانيين ألْمحوا وأشاروا أيضاً إلى توفّر معلومات ومعطيات لديهم عن حدوث أعمالٍ يمكن أن تخرج طرابلس عن سكة الاستقرار العام في البلد. ومن دون الكشف عن أيّ من هذه المعلومات أمام الرأي العام، ومن دون قيام الأجهزة الأمنية المعنيّة بأية خطوة عملية لتأكيد تلك المعلومات أو دحضها، غير أنّ هذه التصريحات لأولئك المسؤولين ظهرت وكأنّها جزءٌ من سياق كامل يعمل على ترويج فكرة "شيطنة" الشمال وطرابلس.

تحدث وزير الداخلية اللبنانية، محمد فهمي، قبل أيام، عن معلومات لديه عن معارك ستحصل في منطقة إدلب السورية، ستدفع مجموعات مسلّحة إلى التسلّل إلى شمال لبنان، والقيام هناك بأعمال تخلّ بالأمن اللبناني. وقد نسي الوزير أنّ المسافات والمساحات التي تفصل الحدود اللبنانية ومحافظة إدلب في سورية كبيرة وشاسعة، وأنّها تحت سيطرة النظام السوري، وأنّ من المستحيل أن يحصل أيّ تسلّل بالأسلحة وغيرها عبر تلك المناطق، من دون غطاء النظام السوري أو بموافقته. وبالتالي السؤال: هل كان الوزير يحاول التحذير من خطوة يقوم بها النظام من هذا القبيل؟ أم ترى أنّه كان يحاول التمهيد لـ "شيطنة" منطقة شمال لبنان، وطرابلس تحديدا؟ ولصالح من هذه الشيطنة؟ ولماذا؟

ما تحدّث الوزير عن معطيات ومعلومات لديه عن تدخّل جهاز مخابرات خارجي في لبنان، وفي الشمال تحديداً، ولم يسمّ هذا الجهاز، بل أشار إلى أنّ الاجهزة اللبنانية ضبطت أربعة أشخاص، تركيان وسوريان، كانوا قادمين من تركيا ويحملون مبالغ مالية كبيرة (أربعة ملايين دولار). وألمح إلى أنّ استعمالات هذه الأموال كانت مخصّصة لتمويل التظاهرات وأعمال العنف وقطع الطرقات. ثمّ بيّنت المعلومات والتحقيقات أنّ هذه المعطيات ليست دقيقة، ولا تمّت إلى الواقع بصلة، فجرى التراجع عنها. كما تحدث الوزير عن ضبط محادثات عبر "واتس أب" بين أشخاص في تركيا وآخرين في لبنان يشاركون في الأعمال الاحتجاجية على الواقع المعيشي المتردّي، وحاول الإيحاء بأنّ جهاز المخابرات التركي هو الذي يتدخل في لبنان لإثارة العنف والفوضى. وقد غاب عن ذهن الوزير أنّ محادثات "الواتس أب" مفتوحة على مستوى العالم، وأنّ وجود أي شخص في مكان وإجراء محادثات هاتفية أو عبر "واتس أب"، لا يعني بالضرورة تدّخل البلد في شؤون البلد الآخر.

إلى ذلك، كثّفت مواقع إلكترونية وصحف حملتها من أجل "شيطنة" طرابلس والشمال، واستخدمت فيها مصطلحاتٍ من العيار الثقيل، وجرى الإساءة لمدينة طرابلس، فضلاً عن التشكيك بها وبأهلها، وكأنهم خائنون أو خارجون من عباءة الوطنية، فتمّ الحديث عن "احتلال" تركي للمدينة عبر المشاريع التنموية أو المساعدات الاجتماعية أو المنح التعليمية، في وقتٍ تعاني المدينة والشمال من أزماتٍ كثيرة، جعلتها أفقر مدينة في لبنان، وحرمتها السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة فرص الإنماء المتوازن، في وقت أثبتت المدينة وطنيتها وانتماءها الوطني، خصوصا خلال فترة انتفاضة 17 تشرين (2019).

يشعر الجميع في لبنان بأنّ هناك حملة منظّمة، غرضها "شيطنة" مدينة طرابلس ومعها الشمال الذي يشكّل عمقاً حقيقياً للوطن اللبناني. يريد بعضهم أن "يشيطن" هذه المدينة، ليقدّم أوراق اعتماد عند أسياده من ذوي المال والنعمة، على قاعدة محاربة التطرّف ومكافحته، خصوصا أن دولا حوّلت في أولوياتها، بحيث جعلت من التصدّي للثورات الشعبية أولويتها الأولى. وقد أثبتت طرابلس، خلال انتفاضة تشرين، أنّها "عروس الثورة" فعلاً، وعمودها الفقري الذي يقلق كثيرين داخل لبنان وخارجه. ولذلك يريدون شيطنتها لتصفيتها، ظنّاّ منهم أنّ هذه المدينة التوّاقة للحرية والإنماء يمكن أن تمد اليد لأية مساعدة قد تأتي من أصدقاء أو أشقاء في تركيا أو في غيرها.

ويوافق آخرون أو يشاركون في عملية "الشيطنة"، ظنّاً منهم أنّها بضاعة رائجة، يمكن أن تحجز لهم موقع صداقة أو حوار يخرجهم من أزماتهم مع دول تبحث أيضاً عن مخرج لأزماتها في ظل تنامي الأزمات وتطوّر الأمور والأوضاع في المنطقة. وكانت هناك تجارب سابقة في مدن ودول أخرى، أثبتت تلك التجارب أنّها قادرة على تحويل الأولويات والبوصلة عند جماعات ومجموعات وحتى دول.

يعرف الجميع في لبنان أنّ كلّ هذه الدسائس والفبركات لا تمّت إلى الحقيقة والواقع بصلة. إنّها محاولات لحرف أنظار الناس عن الأزمات المتفاقمة، عن الفساد المستشري، عن المحاصصة التي أوصلت الدولة إلى هذا الدرْك، عن الفشل في إدارة كل شيء، وفي مواجهة التحدّيات والأعاصير. إنّها محاولة لتضليل الرأي العام المحلي والعربي والدولي، من أجل الهروب إلى الأمام، حتى ولو كان ذلك على حساب إحراق البلد وإغراقه بالفوضى.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".