عن قرار محكمة الجنايات الدولية.
شباط 16, 2021

عيسى الشعيبي.
يمثل قرار محكمة الجنايات الدولية، وقوع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ضمن اختصاصها القضائي، إنجازاً نوعياً، ويُعدّ فاتحة لجولة أولى من معركةٍ سياسيةٍ ضارية، من المقدّر أن تكون طويلةً وقاسية، وذات نتائج بعيدة المدى، تخاطب المستقبل أكثر مما تنشغل بالحاضر، وتشرع الباب أمام تحدّياتٍ وفرص وممكناتٍ واعدة، وذلك من دون أن تغلق هذه المعركة نافذة، أو تهمل ملفاً، أو تنهي حقبةً من المقدّر لها، هي الأخرى، أن تتواصل إلى أجل غير معلوم.
وبهذا القرار الذي أسقط في السلة الفلسطينية الصغيرة ثمرةً كبيرة، ناضجة وطيبة، في مقدمتها إنهاء سياسة إفلات إسرائيل من العقاب، وأعاد وضع القضية على جدول الاهتمامات الدولية بعد طول تهميش، يكون الشعب الفلسطيني، الذي بدا وكأنه أخذ يتنفس الصعداء، قد دشّن من على أرفع منبر قضائي، مرحلةً جديدةً في كفاحه الوطني الشاق، وصنع، بصموده الأسطوري، لحظة تاريخية، ستظل حاضرةً في الحسابات الإسرائيلية، وقائمة في الذاكرة الوطنية، وفي الأذهان ووسائل الإعلام إلى أمد بعيد.
وإذا كان الحديث صحيحاً عن سلةٍ وقعت فيها ثمرة طيبة بعد طول انتظار، فإننا نتحدّث، في واقع الأمر، عن نهاية زمن انعدام الوزن، انغلاق الدروب، ضآلة البدائل، اختلال الموازين، قلة الخيارات، وضعف اليقين، الذي استبدّ بأصحاب القضية ردحاً مريراً من الوقت الثقيل. ونتحدّث أيضاً عن أداء دبلوماسي ناجع ورصين، تجلت فيه عناصر الكفاءة الذاتية، والصبر الاستراتيجي، والمخاطر المحسوبة بدقة، من دون مبالغة أو تهوين.
أشاع هذا القرار القضائي، وكان أحد فرسانه المرحوم صائب عريقات، مناخاً من الحسّ بالجدارة والاعتزاز بالنفس، كان الفلسطينيون في أشد الحاجة إليه، بعد كل ما تلبد في سمائهم المدلهمة من غيوم سوداء، كما ردّ للحركة الوطنية بعض الاعتبار الذي تضرّر كثيراً، جرّاء المراوحات الطويلة والإخفاقات، وأعاد لها زمام المبادرة، وفتح أمامها نافذة فرص أوسع من ذي قبل، وأنتج لديها دينامية جديدة، تتفاعل في فضائها عوامل ومركبّات ومستجدّات كثيرة، بعضها داخلي وأكثرها إقليمي ودولي.
مرجّح أن هذا القرار الذي كان مرتقباً بفارغ الصبر سيؤدّي، بالضرورة الموضوعية، إلى تشديد طوق العزلة الدولية على إسرائيل، ومساءلتها أول مرة، ودفعها إلى أدنى وضعٍ وجدت فيه نفسها على المسرح الدولي طوال عقود طوال، كانت خلاله الرواية الإسرائيلية تلقى الرواج والتصديق. وفي المقابل، من المقدّر لهذا القرار أن يعيد إنتاج صورة فلسطينية، فاعلة أكثر، ولائقة بكفاح الشعب الصامد، ومتساوقة مع تضحياته العظيمة، بعد أن تهشّمت هذه الصورة بفعل عوامل الانقسام والتنازع الداخلي وسوء الأداء.
والحق، أن الخيارات القليلة التي كانت بين الأيدي الفلسطينية، لا تزال قليلة، وأن الرهانات الضعيفة لا تزال ضعيفة، وأن الأبواب المغلقة في وجوههم لن تنفتح أمامهم بسهولة، سيما وأنهم الآن في وضع من شرع لتوّه في استعادة وحدة وطنية عصية المنال، واختتام حقبةٍ قاسيةٍ من مشوار كفاحهم المجيد، وهم لم يتقدّموا بعد سوى بهذه الخطوة القصيرة على الطريق المديد، وإن بدت هذه الخطوة نوعية، مجزية وكبيرة، وواعدة بفتح حقبةٍ مختلفة، مليئة بالآمال والفرص والمخاطر والمنزلقات.
في إطار الدلالات الجديدة لمفهوم القوة، المتاح للفلسطينيين، تبدو الدبلوماسية والإعلام والقضاء الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، والفضاء الإلكتروني، ونشطاء المجتمع المدني، والمنظمات الطلابية، أسلحةً ناعمة جداً، لكنها شديدة المضاء، خصوصا ونحن في عصر صار فيه العالم الافتراضي يوازي العالم الحقيقي أهميةً، ويتقدّم عليه أحيانا، وغدت الصورة أبلغ من الحقيقة. وبالتالي، الفلسطينيون مطالبون بالتعويل أكثر فأكثر على هذه الأدوات الناجعة، والاستثمار الجيد في أرضيات هذه الأسلحة غير المرتدّة، لاستكمال ما بدأوه في روما ولاهاي ونيويورك وجنيف، ومواصلة الاشتباك الدبلوماسي الحقوقي الذي حققوا فيه درجة عالية من النجاح.
وعليه، قد يفتح قرار محكمة الجنايات الباب، الموصد بإحكام، أمام تدويل القضية الفلسطينية، أو قل انتزاعها من بين براثن المفاوضات الثنائية، وعبثية اللجنة الرباعية، ومبادرات الإدارة الأميركية العقيمة، وهو تحوّل مرغوبٌ به منذ أمد بعيد، حالت دونه إسرائيل والإدارات الأميركية دائماً. كما أن القرار يؤسّس لمعركة طويلة، وربما يفضي إلى مسار مختلف، الأمر الذي يمكن النظر معه إلى بدء المسار القضائي فاتحة أولية لجولةٍ كفاحيةٍ جديدةٍ على طريق الاستقلال.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".