عن مؤتمر بغداد
آب 30, 2021

معن البياري

ليقل من يقول إن البيان الختامي الذي صدر عن "مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة" إنشائي، وانكتب قبل وصول وفود الدول التسعة إلى العاصمة العراقية للمشاركة في المؤتمر، وإن موظفين رفيعين في الخارجية العراقية صاغوه، ثم مرّت عليه عيونٌ أخرى في خارجيات دول المؤتمر، فوافق الجميع عليه، طالما أنه يقول ما يقوله الجميع، عن "ضرورة توحيد الجهود لاستقرار المنطقة وأمنها". ولكن هذا الكلام الصحيح لا ينفي أن المؤتمر كان مهمّا، وأنه يشيع مزاجا حَسنا، وأن في الوسع البناء عليه. ليس فقط لأن الصور التي شوهدت للقادة والمسؤولين الرفيعين في الدول المشاركة أبانت انشراحا لدى بعضهم، وإنما أيضا لأن قبول هذه الدول مقترح رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، عقد المؤتمر، بعد عودته من زيارته واشنطن أخيرا، دلّ على أن الأجواء أفضل مما كانت عليه، وعلى أن ثمّة إدراكا لحاجة العراق إلى الجميع في الإقليم، وإلى أن يساهم الكل في إعانته على التخفّف من الوطأتين الإيرانية والأميركية عليه. وعندما يقول وزير خارجية العراق، فؤاد حسين، إن اللقاءات السعودية الإيرانية مستمرّة في بغداد، للتوصل إلى تفاهماتٍ تنهي القطيعة بين الرياض وطهران، فإن هذا قد يرجّح أن مباحثات إبريل/ نيسان (السرّية؟) الماضي بين الجانبين، في العاصمة العراقية، ربما تُؤتي أُكُلا ما في وقت قريب. ولا مدعاة لواحدِنا أن يكرّر البديهي المشتهى، أن المنطقة العربية في شديد الحاجة لحوار إيراني سعودي، يكون من نواتجه أن يغادر الحاكمون في طهران ذهنية الاستقواء، وسياسة استباحة بلادٍ عربيةٍ تراها ساحات نفوذ.

في الوسع أن يُقال إن اللقاءين الودودين في بغداد على هامش المؤتمر، بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبين أمير قطر ونائب رئيس الإمارات حاكم دبي، محمد بن راشد، لم يستأثرا باهتمام الصحافة، بل والعموم العربي أيضا، لأن الصور التي شوهدت لهما دلّت على أجواء مشجّعةٍ باتجاه دفع العلاقات بين الدوحة والقاهرة إلى مزيدٍ من التحسّن، وكذا باتجاه دفع العلاقات بين الدوحة وأبوظبي إلى مساحاتٍ أوسع من التفاهم، وإنما أيضا لأن الشعور العام لدى المواطن العربي أن المنطقة سئمت أجواء التشاحن والخصومة والتربّص، وفي الوُسع أن يحتفط صنّاع القرار في غير بلد عربي بخياراتهم، ويحترموا في الوقت نفسه خيارات غيرهم، من دون أن يكون هذا الحال باعثا على أي شقاق. ومع شيوع انطباعاتٍ مريحةٍ عكسها اللقاءان في بغداد، وقبلهما مباحثات مستشار الأمن الوطني الإماراتي، طحنون بن زايد، في الدوحة، فإن مشاعر من الانقباض والأسف أحدَثها، الأسبوع الماضي، قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع جارتها المغرب. ويُؤمل أن تصحّ الأخبار عن تحرّك سعودي مصري لوساطةٍ بين البلدين.

ما من كلمةٍ لرؤساء وفود مؤتمر بغداد التسعة خلت من الحديث عن استقرار العراق، والمنطقة تاليا. والمرجوّ أن يكون صحيحا تماما قول الرئيس الفرنسي، ماكرون، أمام المجتمعين، إنهم جاءوا إلى بغداد "لتدعيم الاستقرار في العراق والمنطقة"، فلهذا الأمر استحقاقاتُه وشروطه، أولها أن يكون في مقدور الدولة العراقية مزاولة وظائفها البديهية المنوطة بها، وفي مقدمتها أن تكون هي المسؤولة عن الاستقرار، القادرة وحدها على إنجازه، تحتكر القوة الضرورية لتحقيقه. وهذا لا يحدُث والحال في العراق أن لمليشياتٍ في البلد تُوالي دولةً جارة، اسمها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، منطقها الخاص في مسألة هذا الاستقرار. ومن مفارقاتٍ إيرانيةٍ في مؤتمر بغداد أن وزير خارجية الجمهورية الإسلامية، حسين أمير عبد اللهيان، أراد مغازلة جوار العراق العربي، فألقى كلمته بالعربية، فكثرت أخطاؤه النحوية والتعبيرية فيها، وإذا صدق قولٌ إن عدم إتقانه الإنكليزية دفعه إلى هذا، فإننا نكون أمام ما قد تكون حيلةً غير موفقة. والظاهر أيضا أن الوزير جاء إلى المؤتمر بغير استعداد، فقد غالى في الرقم الذي أورده عن حجم التبادل التجاري بين بلاده والعراق، جعله 300 مليار دولار، فيما هو 13 مليار دولار، كما صحّحه الكاظمي. أما عندما دسّ نفسَه في المقدمة عند التقاط الصورة البروتوكولية فنّم هذا عن قلة اكتراثٍ منه، أو عُظامٍ يقيم فيه، فيعتقد أن شخصه لا يجوز أن يكون في الخلف طالما أنه يمثّل الجمهورية الإسلامية. وعندما استبق قدومَه إلى المؤتمر بانتقاده عدم دعوة سورية، فإنه يقدّم حسابات بلاده على حسابات المؤتمرين..

باختصار، ما لم يتغيّر منظور إيران إلى العراق، فإن الاستقرار الذي اشتهاه المجتمعون لهذا البلد سيبقى منقوصا.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".