عودة زمن التسويات!
أيار 06, 2021

د. وائل نجم
يأتي وزير خارجية فرنسا، جان إيف لودريان، إلى بيروت في زيارة تركّز على ملف تشكيل الحكومة وأسباب العرقلة، وهي بالمناسبة معروفة ومعروف صاحبها، وقد لوّحت فرنسا قبل أيام باتخاذ إجراءات عقابية بحق المعرقلين من دون أن تكشف هؤلاء المعرقلين، غير أنّ هذه الزيارة لا تعني أنّ الزيارة ستكون بداية لحلّ الأزمة، ولا تعني أيضاً أنّ استمرار الأزمة، فهي قد تندرج في إطار البحث الفرنسي عن دوره ومكانته ومصالحه من ناحية، والبحث عن فرص لتشكيل الحكومة من ناحية ثانية حتى لا يقع لبنان تحت "وصاية" أخرى لا تقيم اعتباراً للمصالح الفرنسية في لبنان.
وبالعودة إلى ملف تشكيل الحكومة فمن الأمور التي باتت بديهية ومعروفة أنّ الأسباب منها ما هو داخلي له صلة بموقف الأطراف السياسية، ومنها ما له علاقة بمصالح القوى الإقليمية والدولية ومدى تأثيرها في لبنان وعليه، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنّ أبرز القوى الخارجية المؤثّرة في المشهد اللبناني إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبدرجة أقل فرنسا والمملكة العربية السعودية.
خلال الأيام الأخير جرى الحديث عن التوصّل إلى نوع من التفاهمات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في الملف النووي في المفاوضات الجارية في فيينا، والتي كان لها انعكاس في بيروت من خلال عودة المفاوضات بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي في مسألة ترسيم الحدود. إذا صحّ ما تمّ الحديث عنه من التوصّل إلى اتفاقات وتفاهمات فإنّ ذلك قد يكون قد شمل المنطقة أيضاً، أو على أقل تقدير يكون قد فتح باب النقاش لتسوية أوضاع المنطقة بشكل عام، ومنها لبنان.
على مسار آخر جرى الحديث أيضا خلال الأيام الماضية عن مباحثات سعودية إيرانية في بغداد على مستوى أجهزة المخابرات بهدف تذليل أية عقبات لعودة الحوار السعودي الإيراني إلى مجراه الطبيعي، وهذا يعني أنّ الأمور قد تذهب باتجاه نسج اتفاقات وتفاهمات أيضاً بين طهران والرياض على أكثر من ملف في المنطقة، ومن بينها لبنان بحيث يتم إبرام تسوية معيّنة تتيح إرساء نوع من الاستقرار النسبي على المستويات الأمنية والعسكرية والاقتصادية في أكثر من ساحة خاصة وأنّ أغلب الأطراف الإقليمية باتت مثخنة بجراح السياسيات التي باتت تستنزفها.
على مسار ثالث جرى الحديث عن لقاء سعودي سوري في دمشق على مستوى أمني أيضاً، وهو ما لم تنكره دمشق أو الرياض، وبكل تأكيد فإن هذا اللقاء بحث في إعادة تطبيع العلاقات بين الطرفين، وبتسوية معيّنة بقدْر طاقة وإمكانية كلّ منهما، غير أنّ مثل هذه التسوية أيضاً لا بدّ أن تنظر إلى المشهد اللبناني ويكون لها نصيب منه وبغض النظر عن هذا النصيب وحجمه ولصالح من!
في مكان آخر في القاهرة جرت مباحثات تركية مصرية على مستوى الخارجية بحثت إعادة تطبيع العلاقة بين البلدين والتصدّي للتحدّيات المشتركة بينهما. هذه ربما لم يكن لها إطلالة على المشهد اللبناني إلاّ بمقدار ما يتصل بالبلدين في موضوع وملف نفط وغاز شرق المتوسط والصراع الحالي الدائر حول الاتفاقات وترسيم الحدود البحرية بين دول الحوض.
خلاصة هذا المشهد الحالي تتيح القول إنّ زمن الحديث عن التسويات قد بدأ إن لم نقل إنّ التسويات قد بدأت، ولبنان في زمن التسويات كما في زمن الصراعات والتنافسات هو مجرد ساحة بين المتصارعين والمتنافسين أو بين صنّاع التسويات، غير أنّ الفارق أنّ مؤدّي الدور قد يختلفون بين مرحلة ومرحلة، ولذلك ربما نشهد في الأيام المقبلة استبدال وجوه بوجوه أخرى استكمالاً للمشهد العام الذي يقرّره الكبار ويتلزم به مؤّدّو الأدوار.