عون ودياب من الدفاع إلى الهجوم: "ثورة" موالية للعهد!
نيسان 20, 2020

منير الربيع.

من يعرف طبع رئيس الجمهورية، ميشال عون، وتاريخه.. يوقن أن الرجل لا يمكنه أن يتراجع. وإن تراجع عند محطة أو موقف، فسينتظر اللحظة المناسبة ليهجم مجدداً. تتلاقى مع أطباع عون، طبيعة رئيس الحكومة حسان دياب، التي تتضح شيئاً فشيئاً في أدائه وتصريحاته، لا سيما مع كلمته الأخيرة التي وجهها إلى اللبنانيين الأسبوع الفائت. ينطلق عون ودياب من خلفية يسعيان دوماً إلى تكريسها، وهي تجريم الخصوم لتنزيه النفس أو تبرئتها. حتى الآن، لم ينجحا مع الحكومة في تحقيق كل ما تقدموا به كوعود أو كخطط. من الكابيتال كونترول إلى الهيركات، وما بينهما من تشكيلات قضائية وتعيينات مالية، ناهيكم عن الإصلاح ومحاربة الفساد.

المراسيم وتوقيعها

الحملة التي تعرضا لها من المعارضة، وعلى رأسها وليد جنبلاط، يبدو أنها لن تمر مرور الكرام عند عون ودياب. هناك تحضير للحظة مناسبة، يعودان فيها إلى الهجوم بدلاً من الدفاع. هجوم من شأنه أن يبقي لبنان أسير معادلة سياسية قوامها استمرار التوتر السياسي الحاد. أراد دياب بكلمته إلى اللبنانيين يوم الخميس، أن يسوق نفسه كمن يعارض منطق المحاصصة والفساد، مستنداً إلى لعبة إعلامية يستفيد منها في هذه الظروف، مقدماً نفسه كشخصية مغايرة عن السياسيين التقليديين. بدأ كلمته بأنه وقع مراسيم الناجحين في مجلس الخدمة المدنية، وكتّاب العدل، ومأموري الأحراج، وهو بذلك أراد تحصيل شعبية لا يملكها حتى الآن. علماً أن هذه المراسيم بالذات كانت معلقة و"محجورة" من قبل رئيس الجمهورية، ورئيس التيار الوطني الحرّ، لأسباب جداً طائفية ومذهبية.

بمجرد أن يعلن دياب توقيعه على مراسيم حقوق الناس، يعني أنه أفرج عن رهينة من يد رئيس الجمهورية وجبران باسيل، اللذين أُحرجا في السياسة، فأخرجا هذه المراسيم من الأدراج، لعلّها تفيد الثلاثي (عون، دياب، باسيل) شعبياً، وكأنها إنجاز عجزت عنه الحكومة السابقة. وهذا مقدمة للعبة التي تتحضر من قبل فريق العهد والحكومة، لتصفية حسابات سياسية في معركة الإنقضاض على المعارضة، تبدأ من توقيع المراسيم، وتستكمل بتحرير أموال صغار المودعين، كنقطة سُجّلت لصالح حزب الله، مع التركيز على أن الهيركات لن يطال إلا 2 في المئة، أي كبار المودعين.

التحريض على المعارضة

يقودنا هذا إلى التحضيرات لحركة مضادة تحاول القضاء على "المعارضة"، عبر خطوات مدعومة شعبياً بعد سلسلة قرارات وإجراءات تبدو "إصلاحية" ولصالح عموم المواطنين ومطالبهم، ما يؤكد كلاماً كثيراً يقال في الكواليس، عن أن الثورة الشعبية الجديدة ستكون إلى جانب أهل السلطة، وستستهدف القوى السياسية الأخرى، خصوصاً جنبلاط والحريري. وبالتالي، سيستند هؤلاء إلى جمهور كان أصلاً في الشارع موالياً لهم، يضاف إليهم الذين استفادوا حالياً من قرارات هذه الحكومة، ليتم توجيههم ضد قوى المعارضة.

وهذا كله يندرج في خانة التحضير لجولة جديدة من المعارك السياسية، على نحو ستكون التحركات المفترضة في الشارع والساحات مناصرة للعهد والحكومة، ضد خصومهم. وفي هذا الوقت، تبدو القوى المعارضة حتى الآن قاصرة عن أي قراءة موضوعية لما يجري، وقد تميل إلى شخصنة المعركة.

سترتكز المعركة المقبلة على منطق محاسبة "النظام" منذ 1990 إلى اليوم، وسط عاجز كامل من قبل "المُتَهمين" والمُستَهدفين عن الردّ عليها. هذا التلويح بجردة حساب 30 سنة يندرج تحت خانة الانقلاب على دولة الطائف، بتقمص لشعارات الثورة ومصادرتها.

لكن إذا كانت المحاسبة تنطلق من الفساد المالي والهدر والديون والمحاصصة، فيجب أن تشمل كل القوى التي تورطت بذلك. وإذا كانت المحاسبة تنحصر بمساءلة الذين نالوا تمويلاً مالياً من الخارج، فالجميع فعلها أيضاً. أما ملاحقة الهدر وخلل المالية العامة والاختلاسات والإثراء غير المشروع على حساب الدولة، فالجميع شريك بهذا الجرم. والتسوية الأخيرة في العام 2016 خير الدلائل في توزيع الحصص والغنائم والمشاريع. ومن يتهمه العهد والتيار الوطني الحرّ بالفساد، كان شريكه في هذه التسوية وفي بنودها غير المكتوبة وفي صفقاتها. بل أن التيار بالسلطة يستند إلى تحالفات مع أركان وأطراف رئيسيين كانوا فاعلين وأساسيين منذ مطلع التسعينيات وحتى اليوم.

تهمة السفارات

المعركة التي يتم التحضير لها غير معنية بالمواطنين ومصالحهم، بالمطلق. كل المؤشرات تفيد أن المواقف أو الإجراءات المتخذة تهدف إلى تجميع أكبر قدر من الأوراق لاستخدامها في الصراع السياسي، من توقيع المراسيم والتعيينات إلى التشكيلات القضائية، التي عُرقلت ولم يتم الإفراج عنها إلا بعد حرج محلي ودولي وتدخل من عدد من السفراء. والتعيينات المالية أُجّلت بعد تدخل السفيرة الأميركية. تعاطي دياب مع هذا الملف، يشير إلى كيفية صناعة الصورة التي يريد تقديمها عن نفسه. فهو كان قد أدرج بند التعيينات على جدول أعمال مجلس الوزراء، وكان مشاركاً في وضع واختيار الأسماء. ولكن بعد أن فُرض عليهم تأجيلها بسبب صراع سياسي داخلي وتدخل دولي، أميركي، خرج ليعلن تأجيل التعيينات لأنه يرفض منطق المحاصصة ويريد إجراء إعادة هيكلة في المصرف المركزي! وكذلك الأمر مع ردود رئيس الجمهورية والحكومة حول أموال المستشفيات والبلديات، والتي كانوا يرفضون صرفها بسبب الوضع المالي، ثم كان قرار صرفها، لتزول الأسباب المالية بسحر ساحر، لأهداف سياسية محضة.

يتهم فريق السلطة فريق المعارضة بأنه "يستقوي ببعض السفارات". وأصل الاتهام هذا يعود إلى اللقاءات التي عقدها وليد جنبلاط مع السفيرة الأميركية والسفير الفرنسي. علماً أن السفيرين وغيرهما كانا قد عقدا لقاءات مع كل الأفرقاء، وتحديداً مع فريق قصر بعبدا. وقد كان موقف السفيرة الأميركية المعلن بشأن إطلاق سراح فاخوري، وكشفها عن أن الإفراج عنه أسهم في إحجام الكونغرس عن فرض عقوبات على شخصيات لها علاقة بتوقيفه، بالغ الوضوح في تفسير السبب بالإفراج عنه، أي تجنيب كبار رموز العهد إجراءات عقابية. وهذا يعني أنهم يفعلون ما يريده الأميركيون، عندما يتعلق الأمر بمصلحتهم.

تلك المعركة المفتوحة تتصل بالإجراءات المالية، وأهم عناوينها أيضاً التعيينات الإدارية. وإذ تواجهها المعارضة السياسية، تعمد "الموالاة" إلى تسخيف خطاب المعارضة على أنه يضمر فقط مطالبة جنبلاط بتعيين ضابط في منصب معين وموظف في منصب آخر، فيما تؤكد المعلومات أن جنبلاط لم يتدخل على الإطلاق في مسألة التعيينات ولم يطالب بأي شخص.

الانقسام الحاد ومخاطره

تبريرات الحكومة بعدم سداد مستحقات الدين (سندات اليوروبوندز)، هدفت إلى استعطاف الرأي العام، والمواطنين الذين يعيشون أوضاعاً اقتصادية ومعيشية سيئة جداً. أرادوا إيهامهم إنهم كانوا بذلك حريصين على المصلحة العامة. وهذا سيكون صاحب الأثر الأكبر في استمالة الناس، الذين سينفجر سخطهم وغضبهم عاجلاً أم آجلاً. فالهدف هو تجيير السخط وتوجيه الغضب نحو قوى سياسية محددة، يتم تحميلها وحدها مسؤولية كل ما جرى طوال 30 سنة، مقابل تبرئة القوى الأخرى المتربعة في السلطة.

كل المؤشرات تفيد بأن لبنان مقبل على معارك سياسية شرسة، وكل طرف سياسي سيحاول استمالة الشطر الأكبر من المواطنين إلى جانبه، على نحو يعيد إحياء الانقسام الحاد بين جبهتين، تحاولان ركوب أي ثورة مقبلة. وهذا لا بد سيؤدي إلى صدامات ومخاطر كبيرة على الدولة وعلى البلد واستقراره.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".