فلسطين .. "بالنسبة لبكرا شو"؟
أيار 21, 2021

بشير البكر
حققت المواجهات في فلسطين نتائج مهمة، منها استعادة الوحدة الفلسطينية، والتلاحم بين الداخل والضفة الغربية وقطاع غزّة، وإسقاط الأسرلة على مستوى فلسطينيي 1948. أما على المستويين، العربي والعالمي، فإن إعادة فتح ملف القضية الفلسطينية يشكل إنجازا مهما، بعدما حاولت إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، أن تطوي الصفحة. ومن نيويورك إلى لندن وعواصم القرار كافة، حصل تحرّك شكل نوعا من الضغط الجديد الذي لم يتوفر في الجولات السابقة. ولكن أهم ما في الأمر أن المواجهة العسكرية لم تكن هذه المرّة كما جرت العادة. تلقت غزّة الغارات الجوية والقصف المدفعي، وسقط شهداء وجرحى، وحصل دمار كبير في البيوت والبنى التحتية وتهجّر عدة آلاف، ولكن غزّة أوجعت إسرائيل أيضا، وأفهمتها أنها لن تدفع الثمن وحدها بعد اليوم. ومقابل الضربات التي تلقاها القطاع، أصابت صواريخ المقاومة تل أبيب، وشلّت الحياة في عموم إسرائيل. إنها الحرب إذن التي ذاقت إسرائيل طعمها المرّ، بعد أن حسبتها باتت من الماضي.
وفي كل مرة تحصل فيها جولة مواجهاتٍ واسعة، تسقط ضحايا بالأرواح ودمار في البنى التحتية، فإن السؤال الأساسي الذي يجري طرحه ينصبّ حول النتائج السياسية فلسطينيا. وعلى الرغم من مشروعية هذا السؤال، فإنه يبدو في غير محلّه أحيانا، سيما أن المواجهة مفروضة على الفلسطينيين، وليس بالضرورة أن تنتهي كل جولةٍ عسكريةٍ إلى اتفاق سياسي، أو تفاهمات تهدئة نهائية على غرار اتفاق 1701 مع حزب الله. وفي أحيانٍ كثيرة، تحصل جولات من المواجهات، ولا تصمد فيها التهدئة إلى وقت طويل، كما حدث في الحروب على غزّة في عامي 2008 و2014. وفي الحالات كافة، كانت المبادرة إلى العدوان في يد إسرائيل، فهي التي تفجر الموقف أو توفر الأسباب لذلك. وعلى الرغم من عدم توافر تكافؤ في ميزان القوى، فإنها لم تتمكّن من القضاء على المقاومة، وانسحبت من قطاع غزة عام 2005، بعد أن صارت كلفة بقاء الاحتلال والدفاع عن المستوطنات عالية.
برزت في هذه الجولة إمكانية تشكيل ميزان قوى مختلف، ما يمكّن المقاومة من أن تفرض عدة شروط في صلب أسباب المواجهة، تتعلق بالوضع في حي الشيخ جرّاح والمسجد الأقصى. وأدلى قادة في حركة حماس بتصريحاتٍ تربط وقف القتال باتفاقٍ حول الشيخ جرّاح والأقصى، وإن نقض إسرائيل هذا الشرط يجعل "حماس" في حلٍّ من اتفاق وقف القصف. وبالتالي، قد يتم التوصل إلى إنجازٍ ما للمقاومة، ولكن هناك من يعتبره لا يعادل أرواح الذين سقطوا أو الإصابات بالجروح والدمار. وهذا صحيحٌ لو أن المقاومة هي التي بدأت العدوان. وهنا تجدر الإشارة إلى ملاحظتين. الأولى، إن الرد بالقوة على الاعتداءات الإسرائيلية كان الخيار الوحيد، ولو لم يتم الرد بالصواريخ فإن اسرائيل كانت ماضية في تنفيذ مخططها، وكان سيتجاوز الاستيلاء على أربعة منازل في الشيخ جرّاح إلى أحياء أخرى، وفرض مشروع تقاسم الأقصى على غرار ما حصل في الحرم الإبراهيمي، وهذا أمرٌ لو تم فإنه يشكل نقلةً كبيرةً على مستوى الاستيطان وتهويد القدس. الثانية، أساليب المقاومة العسكرية والسياسية عمل تراكمي يتطوّر من مواجهة إلى أخرى، وهي في كل جولة تسجل مكاسب بالنقاط، على سبيل ما حققته المواجهة الحالية على صعيد تحريك الشباب الفلسطيني للمواجهة مع الاحتلال على امتداد كل فلسطين. والأهم في كل جولة أن يتم تحديد الهدف والتمسّك به، باعتبار أن المواجهة طويلة ومستمرّة، حتى تحقيق الحل الشامل، وكانت القدس عنوان الجولة الحالية، ونجح الفلسطينيون في رسم الخط الأحمر الذي لا يمكن التراجع عنه فلسطينيا على الأقل. وفي جميع الأحوال، بات من الضروري وضع استراتيجية للتحرير يلتزم بها الجميع، سيما السلطة الفلسطينية.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن :آفاق نيوز".