في أبعاد التصعيد التركي.
شباط 20, 2020

حيّان جابر.

تصاعدت حدّة التصريحات الرسمية التركية تجاه الأحداث السورية أخيرا، ملوحة وللمرة الأولى باحتمال الإقدام على تنفيذ عمل عسكري لمواجهة ما اعتبرتها تجاوزات استفزازية لقوات النظام السوري، بل ذهبت بعض العبارات إلى مواقع يمكن تفسيرها بطريقةٍ تشي بتهديد أو تلويح بإمكانية مهاجمة بعض القوات الروسية برّاً أو جواً. وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الدولي في سورية وعليها، قد تحمل صداماً تركياً - روسياً مباشراً لطالما حاول الطرفان تجنبه، ما يحرض مجموعة من الأسئلة قد يكون أهمها، ما هي المتغيرات التي دفعت الأمور إلى هذا الحد؟ وما هي الحدود القصوى التي قد نشهدها بعد هذا التصعيد الإعلامي والسياسي؟ وما تأثيرها على المسار السوري وشكل الحل النهائي "إن جاز التعبير"؟ لكن، ونظراً إلى تعدّد القوى والدول ذات المصالح المتداخلة والمتشابكة والمتصادمة في سورية وخارجها؛ وفي ضوء ندرة وجود أي دور أو تأثير لأي طرف سوري، بغض النظر عن توجهاته ومواقفه، يمكن القول إن أي تحليل استباقي لمآلات الوضع السوري سيبقى قاصرا وغير مكتمل، لاستحالة الإحاطة بكل المتغيرات المحتملة داخل سورية وخارجها، ذات التأثير الكبير على مجرى الأحداث فيها، بحكم تعدّد القوى والمصالح فيها وعليها ومنها، غير أننا نسعى، من خلال هذه المقالة، إلى مقاربة الواقع قدر الإمكان، كي نتمكّن من مواجهة بعض الأصوات والجهات التي تحاول جر السوريين إلى أوهام جديدة لا تمت للواقع المعيش بأي صلة.

لذا وبالعودة إلى الوراء، وبالتحديد إلى تبعات إعلان الانسحاب الأميركي، يمكن اعتبار التصعيد الأخير امتدادا لسلسلة من الخطوات العدائية الروسية - التركية، فقد أدّى الإعلان الأميركي المذكور إلى تنامي أطماع كلتا الدولتين في وراثة التركة الأميركية، وفق تقديراتهما السياسية واللوجستية والعسكرية، وهو ما كشف هشاشة التحالف أو التقارب التركي - الروسي في حينه، كما كشف قدرة الولايات المتحدة الأميركية على التلاعب بهما، من دون الحاجة لأي تدخل مباشر، من دون أن يلغي ذلك حاجتهما المشتركة للتعاون، ما كشف اللجام عن ضبابية هذه العلاقة، ومدى تباين التقديرات التركية والروسية لها. وكذلك نجد أن الملف الليبي قد ساهم في زيادة الاحتقان والإشكالات، وأظهر مدى التصادم المصلحي بينهما؛ إذ تسعى روسيا إلى استعادة دورها المفقود في المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي؛ وهو ضرورة لوجستية واقتصادية لها؛ وفرضه أمرا واقعا جديدا على مجمل المجتمع الدولي، حتى لو لم يتوافق ذلك مع الرغبة والإرادة الأميركية. في حين يطمح الأتراك إلى اعتبارهم قوة مقرّرة في شؤون المنطقة، وذات علاقات ومصالح مصانة فيها، على جميع الأطراف مراعاتها وأخذها بالاعتبار، بما فيها حليفاها الأميركي والروسي. وبالتالي، تسهل ملاحظة مدى تعارض مصالح الدولتين، انطلاقا من الأهداف المرجوة لكل منهما، كما يسهل تبيان حاجتهما لبعض بمعزل عن الخلاف بشأن طريقة الاستفادة من الآخر. حيث تسعى روسيا إلى سحب تركيا إلى جانبها دولة حليفة، وربما تابعة لها، ما يعزّز الموقف الروسي دوليا، سيما في أي مواجهة محتملة مع الجانب الأميركي، بينما تجد تركيا في روسيا سبيلا للتقليل من سطوة (وتأثير) الهيمنة الأميركية عليها، بما يعني أن القيادة التركية تسعى إلى توسيع مجالها الحيوي، ليطال مجمل منطقتها الإقليمية، من دون أن يؤثر ذلك على علاقاتها القوية والمحورية مع أميركا، وهو تناقض آخر لا يقل أهمية عن التناقض في الأهداف والغايات.

على ضوء ذلك، قد يسهل التكهن بحتمية الصدام الروسي - التركي في مرحلة مقبلة، مع استحالة أو صعوبة تحديد الوقت بدقة، نظراً لارتباطه مكانيا وزمانيا بحيثيات الاستراتيجية الأميركية التي قد تدفع البلدين إلى مواجهة مباشرة وكاملة خلال ساعات، إن استشعرت الخطر من تنامي النفوذ الروسي في المنطقة على مصالحها أو مصالح حلفائها الدوليين، بالتزامن مع قبول مبدئي بمنح الأتراك صلاحياتٍ ونفوذا وسطوة إقليمية أكبر من دون مساعدة الروس. في حين لن يفضي التصعيد التركي - الروسي إلى أي مواجهةٍ مباشرة، في ظل تجنب الإدارة الأميركية أي تدخل مباشر في شؤون المنطقة، بعيداً عن التلاعب الأميركي بملفات مؤثرة عديدة على سير الأحداث، كما شهدنا مراراً وتكراراً، وذلك لما تشكله العلاقة التعاونية التركية - الروسية من أهمية لوجستية لكلتيهما، وبالتالي سوف يتحوّل التصعيد، في هذه الحالة، إلى محاولة تركية لتجاوز خطوط اللعبة القديمة، عبر إبراز بعض قدراتها وإمكاناتها، وبما يهدّد الروس بصورة غير مباشرة، على أمل أن يدفع ذلك الروس إلى تقديم تنازلاتٍ واضحةٍ ومهمة للأتراك، لذا لا يمكن استبعاد توجيه ضرباتٍ عسكرية، وربما أمنية، حسّاسة ومؤلمة تستهدف النظام السوري في صلب مناطق نفوذه وسيطرته وبأهم قطاعاته الحيوية.

وعليه، قد لا يحمل التصعيد التركي أي بارقة أمل للسوريين في المدى القريب، أو حتى المتوسط، لأنه شكل من الصراع الدولي على سورية وداخلها، صراع دفع ويدفع السوريون ثمنه الكامل من أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم. حتى لو تراجعت آلة القتل والقصف الجهنمية الروسية - الأسدية في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، لأنه مجرّد تراجع لحظي وهش، قابل للانكسار والتبدل عند أي جديد إقليمي أو دولي يوحي بإمكانية تغيير المشهد الميداني لصالح أيٍّ من الأطراف الدولية المتنازعة ضمناً والمتحالفة ظاهراً. كما سوف يتحمّل السوريون وحيدين أعباء المواجهة العسكرية الروسية – التركية، سواء حصلت اليوم أو في المستقبل، لأنها لن تحمل جديدا يذكر على مستقبل سورية والسوريين، وعلى الواقع المعيشي والأمني الصعب والقاسي الذي يواجهونه في ظل الأسد، أو أيٍّ من قوى الإجرام الأخرى الموالية له، أو التي تدّعي معارضته، الذين يتشابهون من حيث الممارسات والتصرّفات القمعية والإجرامية تجاه المدنيين. لذا فلنأمل أن يؤدّي التصعيد التركي إلى وقف حمام الدم السوري، ولو لبضعة أشهر، كما نرجو أن يتمكّن السوريون الوطنيون والثوريون من انتهاز هذه الفرصة لاستعادة قدرتهم على التأثير والفعل في أسرع وقت ممكن، كي نتجاوز مرحلة التلاعب الدولي بمصير سورية والسوريين.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".