في النزاع بين إسرائيل ولبنان على الغاز
تموز 02, 2022

رندة حيدر

يعود النزاع على ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان إلى أكثر من عشرة أعوام، شهد خلالها تعرّجات ووساطات كثيرة، جديدها أخيراً وساطة الخبير الأميركي في شوؤن الطاقة، آموس هوكشتاين، الذي زار بيروت، الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، والتقى رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي حمّله اقتراحاً جديداً يعكس موقفاً لبنانياً موحّداً إزاء مسألة النزاع على خط ترسيم الحدود.

وبحسب أكثر من مصدر، تنازل لبنان عن مطالبته بالخط 29 الذي يوسّع المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل، بحيث تشمل حقل كاريش الذي تعتزم إسرائيل بدء استخراج الغاز منه في شهر سبتمبر/ أيلول المقبل، وقبوله بالعودة إلى الخط 23 الذي يحصُر المنطقة المختلف عليها بمساحة 860 كيلومتراً مربعاً، لكن الشرط اللبناني أن يكون هذا الخط متعرّجاً، بحيث يشكل حقل قانا الذي يقع جزء منه داخل "المياه الإسرائيلية". وهكذا، تكون المعادلة كالتالي: حقل كاريش مقابل قانا.

كل من يراجع المسار الذي سلكه ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان يرى حجم تخبّط الحكومات اللبنانية المتعاقبة، وضعف أداء المؤسسات الحكومية، والإهمال والتأجيل والتسويف، وتسييس الملف، وذلك كله نتيجة عدم الاستقرار السياسي الذي عاناه لبنان عقدين، والانقسام السياسي العمودي بين اللبنانيين، وصعود سيطرة حزب الله على مرافق الدولة ومؤسّساتها وتحكّمه بقرارات الدولة، الأمر الذي ترسّخ وتعزّز بعد انتخاب حليف حزب الله المسيحي ميشال عون رئيساً للجمهورية.

وأبرز نموذج للتخبّط اللبناني ما حدث قبل عامين في المفاوضات غير المباشرة، في الناقورة في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، بين لبنان وإسرائيل في قاعدة للقوات الدولية هناك، فخلال هذه المحادثات إذا بالوفد العسكري اللبناني المفاوض يغيّر الخط الذي يطالب به من الخط 23 الذي يحصر المنطقة المتنازع عليها بمساحة 860 كيلومتراً مربعاً إلى الخط 29 الذي يوسّع المنطقة التي يطالب بها لبنان بـ1430 كيلومتراً إضافياً ويصبح النزاع على 2290 كيلومتراً، الأمر الذي رفضته إسرائيل فوراً، وأدّى إلى توقف المحادثات. ولكن المفارقة أن عون لم يوقع على مرسوم خط 29، وبالتالي لم يرسل إلى الأمم المتحدة ليأخذ صبغة رسمية، ما سمح له الآن بالعودة إلى المطالبة بخط 23. تعتقد رئاسة الجمهورية والأطراف اللبنانية المعنية بالملف أن رفع سقف المطالبة اللبنانية إلى الخط 29 هو الذي سمح اليوم للبنان بالمطالبة بضم حقل قانا، وطرح معادلة: حقل كاريش مقابل حقل قانا.

والسؤال اليوم: هل ستوافق إسرائيل على المقترح اللبناني؟ وإذا رفضت، هل لبنان فعلاً، أو بالأحرى، هل حزب الله قادر فعلاً على تنفيذ تهديداته، ومنع إسرائيل بالقوة من استخراج الغاز من حقل كاريش في الموعد الذي حددته إسرائيل لذلك؟ ينتظر لبنان عودة الموفد هوكشتاين حاملاً الرد الإسرائيلي. وقد زعمت مصادر لبنانية أن إسرائيل رفضت مقايضة حقل كاريش بحقل قانا، ولكن من يتابع المواقف الإسرائيلية لن يعثر سوى على تصريح لوزيرة الطاقة، كارين ألهرار، قبل أيام، بأن الطاقم الإسرائيلي يعمل من أجل التوصل إلى اتفاق بشان النزاع، وأن إسرائيل قدمت عرضاً رداً على الاقتراح اللبناني"، لم تكشف الوزيرة عن محتواه، لكن وزير الطاقة السابق يوفال شتاينتس صرح لصحيفة "غلوبس" أنه لا يمكن الاعتماد على الاقتراح اللبناني الذي يزعم أن الرئيس عون أصرّ على إبلاغ هوكشتاين به شفهياً، وأن المسؤولين اللبنانيين تراجعوا أكثر من مرّة عن مواقفهم، وغيروا مطالبهم. لكن الوزير السابق لم يستبعد أن تبدي إسرائيل مرونة في التعاطي مع المقترح اللبناني.

بيد أن التطورات الأخيرة التي شهدتها الحياة السياسية في إسرائيل، وفي طليعتها حل الكنيست، والدعوة إلى انتخابات مبكرة في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني، وتولّي يئير لبيد رئاسة حكومة تصريف أعمال، فضلاً عن أن لبنان نفسه تديره اليوم أيضاً حكومة تصريف أعمال، مع تعثر رئيس الحكومة المكلف مجدداً نجيب ميقاتي في التوصل إلى تشكيلة حكومية ترضي الفريق الحاكم برئاسة عون، ويدلّ ذلك كله على صعوبة توصل إسرائيل ولبنان في الأشهر القليلة المقبلة إلى تسويةٍ متفقٍ عليها لترسيم الحدود.

يهدّد حزب الله بأنه إذا لم تستجب إسرائيل للمطلب اللبناني لن يسمح لها باستخراج الغاز في سبتمبر/ أيلول المقبل من حقل كاريش. في المقابل، تصرّ إسرائيل على أن حقل كاريش ضمن مياهها الاقتصادية الخالصة، وأي اعتداء عليه هو اعتداء على الأمن القومي الإسرائيلي. وطلبت من سلاح البحر اتخاذ الخطوات المطلوبة لحماية منصّة الغاز في حقل كاريش، فجرى إنشاء منطقة عازلة حوله، والقيام بدوريات دائمة لحمايته. في هذه الأثناء، تبرز أخبار عن استعدادات تقوم بها القوات البحرية التابعة لحزب الله استعداداً للتحرّك في حال باشرت إسرائيل استخراجها الغاز من كاريش، من دون حل نزاعها مع لبنان.

هل معنى تأخّر تسوية النزاع على الغاز بسبب ظروف سياسية طارئة في إسرائيل، والانشغال بملفات أخرى أكثر الحاحاً، اقتراب مواجهة عسكرية جديدة بين إسرائيل وحزب الله، هذه المرّة في البحر؟ وإلى أي مدى حزب الله مستعدٌّ للذهاب في تنفيذ وعيده وتهديداته، في وقت يختنق فيه لبنان كل يوم بأزمات حياتية مستعصية، وأصبح نصف مواطنيه يعانون من الجوع والفقر؟

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".