في انتظار ماكرون
كانون الأول 08, 2021

أرنست خوري

في الوساطة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حيال الأزمة اللبنانية ـ السعودية، أكثر من نقطة نظام تُسجَّل. هي أولاً استعراضٌ من رئيس متيَّم بالظهور في الوقت الضائع وفي الجغرافيا الفارغة. لبنان يعيش منذ فترة زمناً ضائعاً، وهو منذ سنوات أصبح أرضاً لا تلعب فيها إلا إيران ولا تجد من ينافسها هناك. إذاً، هو مكان نموذجي لكي ينشط فيه ماكرون، هو الذي يتصرّف منذ مدّة طويلة على اعتبار أنه سيرأس فرنسا لولاية جديدة من خمس سنوات، بحسب ما تتوقعه حتى الآن استطلاعات الرأي الخاصة بانتخابات ربيع 2022. يدرك ماكرون أن اهتمامات الناخب الفرنسي محلية للغاية، وأنّه لا يعبأ كثيراً إذا رئيسه أرضى ميشال عون أو إذا ساهم في إنقاذ سعد الحريري عند احتجازه في السعودية في 2017، أو إذا كسر التابو الفرنسي القديم والتقى بمسؤولي حزب الله. لكن ماكرون يعرف أيضاً أنه في ظل الفراغين، العربي والأميركي، في لبنان، لا بأس بأن يمارس هواية لا تكلفه شيئاً لا سياسياً ولا اقتصادياً، وهي في المقابل ممكن أن تفيده، وإن قليلاً. يكفي أن ينشغل إعلام عربي وغربي بما يقوم به الرجل طالما أنّ لا محاسبة فرنسية داخلية لإخفاق محتمل، ولا تأثير لذلك على صناديق الاقتراع، لا بل ربما تفيد هذه الهمّة في تحسين حظوظ الفوز ولو كان ذلك بنسبة تدور حول واحد في المائة، على اعتبار أنّ ذلك يحسّن من "صورة فرنسا في الخارج"، وهو همّ يحلّ في المراتب ما قبل الأخيرة في قائمة أولويات الناخب الفرنسي.

هذا جانب معروف من الاستعراض الماكروني الذي شهد لبنان جولة أولى له مع أزمة سعد الحريري ــ محمد بن سلمان، ومرحلة ثانية بعد انفجار مرفأ بيروت عندما جاء الرجل مرتين إلى بيروت، ونظم مؤتمرات افتراضية لجمع المساعدات لدعم هذا البلد، وطرح مبادرة لتأليف حكومة. لا شكّ أنه كان سعيداً بالاستقبال الذي وجده وبتصويره كأنه سياسي منقذ في زمن انعدم فيه وجود لبنانيين سياسيين ومسؤولين ومنقذين. هذه السذاجة جزء منها مفهوم نظراً للشعور العام لدى اللبنانيين بأنهم متروكون تماماً أمام وحش السلطة، وجانب آخر منها لا يمكن وضعه إلا في سياق الانبهار السخيف بكلّ ما هو أجنبي. وبين زيارة وأخرى، كان ماكرون يسمح لنفسه بأن يتقمّص شخصية الناظر في مدرسة للكسالى والنصّابين: أنّب وهدّد بفرض عقوبات فرنسية وأوروبية ووزّع الأوامر، وأهان سياسيين التقاهم من دون أن يتجرأ أحدهم على الرد. في المحصلة، هم يستحقون كلّ إهانة، وهو، أي ماكرون، مغرور ويشعر أنّه عندما يحلّ في لبنان كأنّه في "نو مانز لاند" في أرض بلا شعب، بلا حكّام، يمكنه فعل ما يشاء فيه وكيفما يرغب.

مع قليل من المغامرة، يمكن الجزم بأنّ كلّ هذه الحركات الماكرونية، في الأمس لدى ضغطه في سبيل تأليف حكومة، واليوم في إطار الوساطة مع الرياض، هي بلا أي معنى فعلي سياسياً. فهمت فرنسا منذ أيام دونالد ترامب، أنّ أميركا يئست من جدوى مصارعة إيران على الساحة اللبنانية نظراً لانعدام التكافؤ في أيّ نزال محتمل. العواصم الخليجية سبقت واشنطن إلى تلك الخلاصة فسلّمت بيروت إلى طهران مثلما وافقت قبلها على تسليمها بغداد. فرنسا قرأت جيداً التهدئة الأميركية حيال حزب الله في الداخل اللبناني. لم يكن استثناء لبنان من عقوبات قيصر لتسهيل مرور الغاز من إسرائيل إلى مصر فالأردن وسورية وصولاً إلى لبنان بلا معنى في هذا السياق. أمام هذا الواقع، زايد ماكرون على التهدئة الأميركية، واجتمع مع رئيس الكتلة النيابية لحزب الله محمد رعد في أغسطس/ آب 2020. أدرك أنّه حين تخلي أميركا الساحة لإيران، لا جدوى من القيادة عكس السير. لقاء ماكرون ــ رعد تلته اجتماعات لمساعدي الرئيس مع مسؤولين في الحزب، وتزامنت مع تسريبات بأنّ العقوبات التي تلوّح فرنسا بفرضها، إنّما قد تطاول سعد الحريري، المواطن الفرنسي، لا ممثلي حزب الله مثلاً!

بين الغرور والاستعراض وعقد النقص والتسليم بحتمية الهيمنة الإيرانية، يصبح تتبع أخبار الوساطة الفرنسية بين بيروت والرياض كانتظار غودو تماماً.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".