في رحيل 2020.
كانون الأول 30, 2020

مروان قبلان.

ونحن نطوي أيامه الأخيرة، يبرز العام 2020 في التقييم العام باعتباره استثنائيا. ولأول مرة ربما، منذ عقود عديدة، تجد البشرية نفسها، وقد داهمها وباءٌ قاتل، متّحدة في الهم والمصير، وإن اختلفت في الإمكانات وسبل المعالجة. في الأحوال العادية، تتفاوت التقييمات حول الحصيلة نهاية كل عام، لكن هناك إجماعا حول أن العام الذي نودّع كان صعبا، استحوذت عليه ثنائية كورونا – ترامب بصورة كلية تقريبا. مع ذلك، أبى العام أن يغادرنا من دون أن يترك بارقة أمل، تتمثل في نجاح الإنسان في إيجاد لقاح لمواجهة الوباء، على الرغم من أن الطريق ما زالت أمامنا طويلة، وتحمل في طياتها مخاوف مشروعة كثيرة، كما طوى العام، برحيله أيضا، مرحلة ترامب التي يتفق كثيرون على أن أداءها كان بائسا في المجالات كافة، بما فيها مواجهة الوباء، إلى درجة أنها وقعت هي نفسها ضحية له.

تحت هذين العنوانين، من الصعب أن يقدّم المرء جرعة مماثلة من التفاؤل، عندما ينتقل إلى الحديث عن منطقتنا، إذ يرجّح أن تستمر أخبار الوباء في الهيمنة على الفضاء العام فيها لجزء كبير من السنة الجديدة، فالإمكانات الضعيفة للدول المكنوبة، خصوصا، لن تسمح لكثيرين بالحصول على اللقاح في فتراتٍ قريبة، كما ستستمر الأوضاع الاقتصادية نتيجة ذلك في التدهور، ما يعني استئناف نشاط الحركات الاحتجاجية في المنطقة الممتدة من إيران إلى الجزائر والسودان. ستسيطر أيضا بشكل كبير طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الولايات المتحدة تحت إدارتها الجديدة والقوى الخمس الرئيسة في منطقتنا، وهي روسيا وتركيا وإيران وإسرائيل والسعودية، وانعكاساتها على أزمات المنطقة في سورية والعراق واليمن، والأراضي الفلسطينية المحتلة.

بحسب سيرة طاقم الإدارة الأميركية الجديدة وتوجهاته، في مجال السياستين الخارجية والأمنية، سوف تنزلق العلاقات الروسية – الأميركية، على الأرجح، نحو مرحلةٍ جديدةٍ من التوتر، فالإدارة القادمة تتهم الإدارة المنصرفة باللين في التعامل مع روسيا، ما شجّعها على تجاوز حدودٍ كثيرة، بما فيها القيام بأوسع هجوم سيبراني ضد وكالات وهيئات فيدرالية أميركية وقطاعات حسّاسة مرتبطة بالأمن القومي. وبحسب تجربة السنوات الخمس الماضية، لا بد أن ينعكس أي تدهور في العلاقات الأميركية - الروسية سلبا في الأوضاع الأمنية على الأرض في مناطق الاحتكاك بين الطرفين، وتأتي سورية في مقدمتها. وإذا ساءت العلاقات الأميركية - التركية بالتوازي مع ذلك، كما يتوقع كثيرون، وترافق هذا مع زيادة الدعم الأميركي للأكراد في مناطق شرق سورية، كما وعد بايدن، فالأرجح أن يخلق ذلك دينامياتٍ جديدةً على الأرض تترجم بتقارب روسي - تركي كبير بخصوص المسألة السورية التي تنتظر سنة حاسمة مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية. بهذا المعنى، سوف تقرّر طبيعة العلاقة بين أضلاع المثلث الأميركي – التركي - الروسي اتجاهات الصراع في الأرض السورية وعلى طاولة المفاوضات خلال العام المقبل، والإشارات هنا ليست إيجابية.

ماذا عن مثلث السعودية – إيران - إسرائيل؟ إذا ذهبت إدارة بايدن، كما صرحت خلال الحملة الانتخابية، باتجاه نفخ الروح في الاتفاق النووي مع إيران، على الرغم من التحدّيات التي تواجهها على هذا الصعيد، وأرفقت ذلك برفع بعض العقوبات عنها، خصوصا في مجال تصدير النفط وولوج النظام المصرفي العالمي، لتشجيعها على العودة إلى الالتزام ببنود الاتفاق، وربما الدخول في مفاوضاتٍ جديدة تتناول برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية، فسوف ينعكس ذلك سلبا في العلاقات بين واشنطن والرياض التي تتوجّس من عودة سياسات حقبة أوباما. إسرائيل أيضا ستعارض هذا التوجه، وإنْ تبقَ علاقتها بواشنطن، بحكم عوامل عديدة، أكثر استقرارا. سيؤدّي ذلك في حال حصوله إلى تقارب أكبر بين السعودية وإسرائيل، حتى لو ظلت العلاقة دون مستوى التطبيع العلني الذي سلكته دول عربية أخرى في العام المنقضي. من المهم أن نراقب خلال السنة المقبلة انعكاس هذا التوجه على أمن منطقة الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط. ومن المهم أن نتابع كذلك أين ومتى وكيف ستتقاطع مصالح قوى هذه الثلاثية أو تتنافر مع مصالح قوى المثلث الأول.

ضمن هذه المعطيات، يبدو كأن العام 2020 مستمر معنا بعض الوقت، على الرغم من انقضاء أيامه رسميا.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".