في ظل تنامي الشعور بالاستهداف لدى الساحة الاسلامية .. كيف تتلمس طريقها للخلاص؟
أيلول 22, 2017

وائل نجم – كاتب وباحث

 المتابع لأحداث وتطورات البلد وما آلت إليه الأمور والأوضاع في الداخل والخارج يكتشف من غير جهد أو تكلّف أن الساحة الاسلامية، إن لم نقل الأمة الاسلامية (المسلمون)، باتوا في موقع يشعرون فيه أنهم مستهدفون من أكثر من طرف، وفي أكثر من مكان، وقد أخذ هذا الشعور بالتنامي في النفوس بالنظر إلى حجم المأساة والنكبة التي تلاحقهم في سورية والعراق، وفي أكثر من قطر، ومن قبل في فلسطين، في وقت يقف العالم متفرجاً، بل مشاركاً في أكثر من منطقة، ولعلّ الاتفاقات الثنائية وغير الثنائية التي عُقدت وتعقد، بشكل سرّي أو غير سرّي بين الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية أعادت إلى ذاكرة المسلمين مشهد العالم، ومنطقتهم على وجه التحديد، عشية الحرب العالمية الأولى عندما كُشف عن الاتفاقات السرّية بين بريطانيا وفرنسا بخصوص تقاسم منطقة النفوذ في المنطقة العربية بينهما، وهو ما نعانيه وندفع ثمنه إلى اليوم.

وحتى نعود إلى الدائرة الصغرى، بلدنا الذي نعيش فيه، نجد أن الشعور بالاستهداف لدى المسلمين بلغ مبلغاً متقدماً ليس عند الشرائح الشعبية العادية منهم، بل عند الصف الأول الذي يمثلهم في مواقع القرار. وإذا كان بعض هذا الصف استطاع أن يكتم هذا الشعور حتى هذه اللحظة، فإن البعض الآخر بلغ معه "السيل الزبى"، وعبّر عن شعوره بأكثر من طريقة. أما الشرائح الأخرى فقد تحوّل عند بعضها هذا الشعور إلى نوع من الاحباط واليأس، وهذا الطبع شيء خطير وقد يكون مدمّراً في أي وقت من الأوقات.

المسلمون اليوم في الوطن يشعرون أنهم مستهدفون في دورهم وشراكتهم في إدارة الدولة. بدأ هذا الموضوع منذ لحظة اغتيال قياداتهم، وصولاً إلى لحظة خطف المجلس النيابي بالقوة والهيمنة و"البلطجة" فمُنع المجلس من القيام بدوره على مدى قرابة عامين ونصف في انتخاب رئيس للبلاد إلا بعد تسوية مثّلت فرض إرادة القوي على الشركاء. ثم بعد ذلك برز هذا الموضوع أكثر من مرّة في عملية تشكيل الحكومة أو طريقة عملها ومصادرة دورها ودور رئيسها على وجه التحديد. ثم أيضاً في عملية التهجّم والتهكّم الدائمين على مرجعياتها السياسية الحالية والسابقة في إطار تهشيم المواقع القيادية التي تمثلها هذه المراجع. ولم ينته الأمر بمصادرة ومحاولة مصادرة المواقع الوظيفية المخصصة لهم في أكثر من موقع إداري، وصولاً إلى تفريغ المواقع الإدراية التي يشغلونها على مستوى الدولة من أي مضمون أو محتوى أو تأثير وفعل.

وإذا انطلقنا إلى اهتمام آخر وجدنا أن القانون يطبق عليهم ولا يطبق على غيرهم، أو يطبق بنسب متفاوتة. ففي الوقت الذي توجّه فيه تهمة "الإرهاب" لأي منهم على شبهة صورة يمكن أن تكون موجودة على هاتفه، ويقبع بسببها سنوات دون محاكمة، نجد أن غيرهم يتجاوز السيادة والقانون وكل المحرمات الوطنية، ويزهو بسلاحه وصولاً إلى تهديد رئيس البلاد وقائد الجيش أيضاً بهذا السلاح من دون أن يتعرض له أحد بأية مساءلة! نجد أن القضاء يلاحق شبابهم على أتفه القضايا فيما يدع الخارجين على القانون، الضاربين بعرض الحائط كل ما يمت إلى الدولة والسيادة بصلة!

يتمّ كل يوم شيطنة هذه الساحة بطرق متعددة. يريدون لها أن تبقى في دائرة الاتهام. حتى أنهم لم يلتزموا مؤخراً المواد الدستورية التي تؤكد على الحقوق الوطنية لكل مكونات البلد. فأقروا العمل يوم الجمعة، وهو يوم مقدّس لدى المسلمين. لم يأبهوا لكل المناشدات والاعتراضات والاحتجاجات التي جرت. ربما تتحمّل بعض المراجع في الساحة الاسلامية المسؤولية عن ذلك. وهذا صحيح. 

كثيرة هي الملفات التي تجعل المسلمين في هذا البلد يشعرون بالاستهداف، وكثيرة هي الأمور الكفيلة بزيادة الأحباط واليأس من إمكانية التخلّص من هذا الشعور. ولكن في النهاية لا يمكن لهذه الساحة أن تستمر على هذه الحالة. لا بدّ انها ستعبّر عن شعورها، وعن إحباطها يوماً من الأيام. أما الطريقة التي ستختارها لذلك ، فذاك شيء آخر.

بالنسبة للمرجيعة المسؤولة في مكان ما عن هذه الساحة، فإنها باتت تدرك أن الساحة الاسلامية تشهد نوعاً من التململ منها ومن مواقفها ومن تنازلاتها المستمرة التي سلّمت البلد لإدارةٍ كل همّها تحقيق مصالحها الخاصة والضيقة والفئوية. باتت هذه المرجعية تدرك أن ثقة الساحة الاسلامية بها باتت في مستوى لم تبلغه طيلة العقود الماضية. والإشكالية والخوف، أن هذه المرجعية بدل أن تذهب باتجاه احتواء هذا الشعور في الساحة الاسلامية من أجل تبديده بمواقف صلبة والحفاظ على البلد والتوازنات القائمة فيه، القلق أن تذهب إلى مزيد من التنازلات في الملفات الأخرى التي يجري البحث فيها والحديث عنها، وهذا بالطبع يصيب الساحة بمزيد من الشعور بالاستهداف وتالياً الاحباط وثالثاً الانقسام والضعف.

لقد عبّرت هذه الساحة في استحقاقات الانتخابات البلدية السابقة عن شعورها في صناديق الاقتراع، عندما أسقطت الطبقة السياسية المحتكرة لتمثيل الساحة، وهذا الشيء قد يكون منتظراً في أي استحقاق انتخابي مقبل. ولكن الإشكالية أيضاً أن الجهات التي راهنت عليها هذه الساحة لم تكن في مستوى الطموح، بل جلّ ما قدّمته خطاباً عالي السقف والنبرة ولكنه دون مضمون حقيقي يحفظ البلد ضمن توازناته، ويحفظ دور المكوّنات وحدودها في صيانة الوطن.

الساحة الاسلامية ستعمل على تلمّس طريق الخلاص من هذه الاحباط والشعور، وهي قادرة عليه، لأنها تنتمي إلى أمة حيّة لا تعرف للاحباط معنى ولا لليأس طريقاً. هي تكبو لكنها لا تنام. وعاجلاً أم آجلاً ستنهض من كبوتها، وتتلمّس طريقها من خلال النهوض وسلوك طريق الوسطية والاعتدال الذي خطته لنفسها ثلّة من أبناء هذه الساحة ومنذ وقت بعيد.

الآراء الوادرة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".