"قيصر" .. رصاصة الرحمة على الأسد؟
تموز 15, 2020

سعد كيوان.

لقانون "قيصر" رمزية كبيرة بالغة الدلالة. هو اسم مستعار لجندي مصوّر في الشرطة العسكرية انشق عن النظام السوري، وفرّ في نهاية عام 2013 حاملا معه 55 ألف صورة توثّق وحشية النظام، وهمجيته، وممارسته التعذيب في السجون، وتم عرضها لاحقا في أكثر من عاصمة غربية، آخرها في مبنى الكونغرس الأميركي في واشنطن، فهل ستتمكّن الإدارة الأميركية التي أقرت هذا القانون لحماية المدنيين السوريين من ترجمة مفاعيل بنوده، وهل هي جادّة فعلا في وقف قتل الشعب السوري، وإجبار بشار الأسد على الرحيل؟ ليست هذه أول عقوبات تتخذ ضد النظام السوري، فقد أقرت الولايات المتحدة والدول الأوروبية منذ بداية الثورة السورية في 11 مارس/ آذار 2011 سلسلة عقوبات اقتصادية وتجارية وعسكرية ضد النظام، ولكنها لم تكن شاملة، ولم تلتزم بها سائر الدول، وفي مقدمهم روسيا والصين وإيران، ولم تصل إلى حد إسقاط الأسد، كما قرر أن يفعل الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، صبيحة الأول من سبتمبر/ أيلول 2013 ثم تراجع في اللحظة الأخيرة. وقد تم يومها الاستعاضة عن التدخل العسكري بصفقةٍ رعاها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وقضت بأن يسلم الأسد السلاح الكيميائي الذي استعمله ضد المدنيين في الغوطة الشرقية، في ريف دمشق في 21 أغسطس/ آب، وأوقع نحو 1500 قتيل في صفوف المدنيين، وخصوصا الأطفال بحسب تقديرات منظمات مدنية غير حكومية. ومع ذلك، استمر النظام باستخدام غاز السارين في أكثر من واقعة، مثل الهجوم الذي شن على بلدة خان شيخون، في 7 إبريل/ نيسان 2017، والذي دفع الرئيس دونالد ترامب إلى الرد بتوجيه ضربة صاروخية على مطار الشعيرات العسكري قرب مدينة حمص.

تفيد التجارب بأن العقوبات لا تسقط نظاما، حتى التي تكون شاملةً، وبقرارٍ ملزم من الأمم المتحدة، وليس من دولة أو مجموعة دول. وأكبر مثال على ذلك العقوبات التي فرضت على نظام بعثي آخر، نظام صدام حسين في العراق، والذي كان خاضعا للعقوبات، ودام محاصَرا أكثر من عشر سنوات، ولم يسقط في النهاية إلا بعد تدخل عسكري أميركي مباشر عام 2003. وسائل الصمود والالتفاف على العقوبات كثيرة ومتعدّدة، والرقابة مسألة معقدّة ومضنية، وعرضة للمساومة والمقايضة. وما تعرّض له النظام العراقي السابق لم يتعرّض له النظام السوري الذي بقيت قنوات طهران وموسكو وغيرها من العواصم القادرة مفتوحة عليه، وداعمة له. لذلك، يمكن استنتاج أن واشنطن غير جدّية في موقفها من النظام، مثلما أثبتت أكثر من مرة، علما أن ترامب كان قد صرح بعد انتخابه أنه لا يسعى إلى إسقاط النظام السوري، وإنما يريد تحجيم إيران وإعادتها إلى داخل حدودها. ومع ذلك، يعكس "قانون قيصر" أسلوبا جديدا وغير مسبوق في فرض العقوبات، فهو أولا يقر عقوباتٍ لم يعرفها النظام السوري، ولم تطاوله من قبل. إذ ينصّ على فرض عقوباتٍ على أشخاص مسؤولين أو متواطئين في ارتكاب انتهاكاتٍ أو نقل سلع أو تقنيات إلى سورية. ويستهدف كل من يتعامل مع البنك المركزي السوري وأجهزة الاستخبارات والأمن السورية، وكل من يقدّم تقنياتٍ تزيد من إنتاج القطاع النفطي أو يشتري النفط السوري. كما ينص القانون، وهذا الأهم، على تجميد المساعدات لإعادة الإعمار، ويستهدف كيانات روسية وإيرانية تتعامل مع النظام. إذا، عقوبات ليس فقط على النظام، وإنما على كل من يتعامل معه، وبالتالي عقوبات على روسيا نفسها ومزيد من العقوبات على إيران! وهذا ما سيؤدي إلى شل كل القطاعات الاقتصادية الحيوية، من صناعية وزراعية وحيوانية ونفطية وسياحية، وسيؤدي إلى خسارة النظام كل وسائل الصمود.

في المقابل، يشترط القانون لتعليق العقوبات وقف استخدام الأجواء السورية لاستهداف المدنيين، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق جميع المعتقلين السياسيين، وتوقف قوات النظام وحلفائها (بمن فيهم حزب الله والقوات الإيرانية والروسية) عن مهاجمة المرافق الطبية والمدارس والمناطق السكنية، وإخراج المليشيات من سورية، وغيرها من الشروط .. وكلها عقوبات وشروط يعجز النظام عمليا عن تنفيذها أو الالتزام بها، حتى ولو سلمنا جدلا بأنه يريد أن يفعل، مثل التخلي عن التحالف مع إيران الملالي، وإخراج حزب الله، ووقف الحرب على المعارضة. لماذا تضع الإدارة الأميركية إذا عقوبات تعجيزية تعرف أن النظام لن يقدر على تطبيقها أو الالتزام بها؟ ألا يعني هذا أن الهدف هو إسقاط النظام أو تركه يسقط من شدة الحصار سقوط الثمرة الناضجة؟

وإذا راقبنا، في المقابل، السلوك الروسي، يبدو واضحا انزعاج موسكو من مماطلة النظام والتهرّب من الحل السياسي، وتطبيق الإصلاحات أو محاربة الفساد، ناهيك عن العبء السياسي والعسكري والأمني والمالي الذي بات يشكله بقاء الأسد في السلطة. وهذا ما اضطرّها إلى أن تتخذ إجراءات جذرية، طاولت هرمية القيادة العسكرية، وتشكيل الفرقة الخامسة تحت قيادتها مباشرة، ما مكّنها من تطويق الأسد، والإمساك بدمشق وريفها والجنوب. كما أن ربط واشنطن دعم إعادة الإعمار برحيل النظام بمثابة قصم ظهر لموسكو التي راهنت، في تدخلها العسكري، على موطئ قدم بطبيعة الحال، وخصوصا على كعكة الإعمار التي تقدّر بمئات مليارات الدولارات. كما أن كل الدول التي تدخلت في الحرب، وتحديدا إيران وروسيا، قد استنزفت سياسيا وماليا وداخليا أمام شعوبها. وهذا ما يؤكد أن لا تقاسم للنفوذ، ولا لكعكة الإعمار قبل إطلاق الحل السياسي الذي ينص على قيام مرحلة انتقالية، تنتهي بإخراج الأسد من المعادلة.

وبناء على كل هذه المعطيات، يمكن استنتاج أن أميركا تركت لروسيا أن تتدخل عسكريا، وتحسم السيطرة على جزء كبير من الأرض، وأبقت لنفسها دور فرض الحل السياسي، وخصوصا بعدما أخلّت موسكو بخطة إقامة "مناطق خفض الصراع"، واندفعت في دعم النظام، وتحديدا في معركة حلب في ربيع 2016. وآخر رد أميركي كان منع القوات الروسية من دخول إدلب. وعلى الرغم من الانتصارات العسكرية، باتت موسكو بلا أوراق سياسية، وتحت رحمة واشنطن التي تصر على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 الذي يعني سحب آخر ورقة من يد بوتين أي المساومة على مصير الأسد. علما أن الإدارة الأميركية تسلم لروسيا بالحفاظ على دور وموطئ قدم في سورية، لكي تضمن حماية أمن إسرائيل تجاه أي سلطة ما بعد الأسد. لذلك أعلنت موسكو أخيرا استعدادها للتفاوض على الحل السياسي الذي تريده واشنطن، ويبدو، بحسب بعض أوساط المعارضة التي على تماسّ مع أجواء المفاوضات، أن موسكو وافقت على صيغة مجلس رئاسي يترأسه إحدى الشخصيات من المعارضة، وأن خروج الأسد أصبح مسألة أشهر معدودة! أم إن الحسم سيتأخر إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية في الخريف المقبل؟

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".