كارثة لبنان الكبرى والهروب نحو المجهول
حزيران 11, 2021

وائل نجم
بات لبنان قاب قوسين أو أدنى من الكارثة الكبرى، أو الارتطام الكبير الذي يمكن أن يُسقط الهيكل على رؤوس الجميع، أو يجرف كلّ ما سيأتي في طريقه. الجميع يعرف ويعترف الآن بأنّهم وسط الكارثة. الكارثة الحقيقية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى مجازي وحقيقي. لأنّ ما يعيشه اللبنانيون يومياً من اصطفافٍ في طوابير طويلة للسيارات من أجل الحصول على صفيحة بنزين واحدة، أو ما يعانونه في أثناء رحلة البحث عن علبة دواء مفقودة في الصيدليات، أو فترة انتظار الكهرباء ساعات طويلة خلال اليوم، أو مرارة الحصول على موافقة استشفائية من أجل دخول مريضٍ ينازع على فراش الموت إلى مستشفى. يؤكد ذلك كله أنّ اللبنانيين يعيشون وسط الكارثة، وليس على أطرافها ولا في معزل عنها.
ولكنّ الحديث الآن عن الكارثة الكبرى، أو الارتطام الكبير الذي يوشك على الاقتراب، يحدث في ظل لامبالاة الطبقة السياسية، وفي ظل التعنّت والتمسّك بمنطق المحاصصة والاستئثار والمغالبة، إذا أحسنّا الظنّ. أمّا إذا أسأنا الظنّ، فيمكن القول إنّ كثيرين من هذه الطبقة السياسية يعملون وفق أجنداتٍ وحساباتٍ لا تمتّ لا إلى الوطنية، ولا إلى المسوؤلية، ولا إلى الأخلاق بصلة. إنّهم يعملون على إحراق البلد من أجل مصالح خاصة، أو فئوية أو ضيّقة.
الكارثة الكبرى أو الارتطام الكبير يوشك أن يقع. لكنّ السؤال الجوهري الآن: كيف يمكن تفادي هذا الارتطام؟ وكيف يمكن إنقاذ لبنان منه؟ دائماً ما يجري الحديث أنّ الحلّ هو بتأمين موارد مالية جديدة للدورة الاقتصادية اللبنانية، وهذا يحتاج إلى إقناع المجتمع الدولي أو الدول المانحة أو المُقرِضة أو صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، وهذا أيضاً يحتاج إلى استجابة لبنان إلى "الشروط" التي يطرحها صندوق النقد أو غيره من الجهات المانحة، وقد خاضت الحكومة اللبنانية مفاوضاتٍ، قبل عام تقريباً، مع الصندوق، من دون التوصّل إلى أيّ اتفاق، لأنّ الصندوق يشترط مجموعة إصلاحات إدارية وتشريعية وسياسية قبل الموافقة على منح لبنان أيّة مبالغ مالية، سواء على هيئة قروض أو منح أو غيرها. وعلى عتبة المفاوضات وقراءة الأطراف الداخلية لخلفيات شروط صندوق النقد ونتائجها المستقبلية على لبنان، تتعثّر كل الحلول المطروحة، ويتخبّط لبنان في مواجهة الكارثة والارتطام الكبير المنتظر.
وفي موازاة هذه الكارثة والضائقة التي يعيشها لبنان، خصوصا بعد تصنيفه في تقرير البنك الدولي أخيرا (ربيع 2021) أسوأ ثالث اقتصاد خلال العقود الأخيرة، وفي ظل الشروط التي يطرحها المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي، ترى قوى سياسية لبنانية الموضوع أكبر من مسألة معالجة فساد داخلي، أو تصحيح سياسات كانت قائمة عقودا، وإن كانت تلك السياسات تتحمّل جزءاً أو جانباً من مسؤولية الأزمة، بل ترى أنّ الموضوع أعمق وأعقد، ويتصل بفرض شروط استسلامٍ على لبنان، تصل إلى حدود تنازله عن حقوقه في ثرواته البحرية وحتى البرّية، وانقياده بشكل كامل للسياسات والمشاريع التي تستهدف تطويع المنطقة، ومن ذلك تصفية القضية الفلسطينية وتوطين اللاجئين الفلسطينيين. وقد أشار إلى هذا المعنى بشكل واضح وصريح أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، في كلمته قبل أيام، عندما اعتبر ما يجري هو بمثابة مشروع لحصار "المقاومة" ومحاولة لإخضاعها.
وأمام هذا المشهد الكارثي، و"الحصار" الذي بدأ الحديث عنه، وأمام انسداد أفق الحلّ السياسي في لبنان، سواء بعد الفشل في تشكيل حكومة جديدة، أو في تأمين الدعم المالي اللازم لمواجهة الأعباء التي تترتّب على المواطنين، فإنّ حديثاً بدأ يدور في بعض الأروقة عن احتمال العمل لفكّ هذا "الحصار" من خلال الضغط على أحد أركان المحور المشارك في فرضه، في إشارة إلى إمكانية فتح الجبهة مع "إسرائيل" ضمن حرب محدودة ومحدّدة الأهداف مسبقاً، خصوصا أنّ المعنيين بهذا الأمر يعتقدون أنّ الظروف السياسية والمناخات الإقليمية باتت مؤاتية لمثل هذا الأمر، في ظل الأزمة التي تعيشها "إسرائيل" بعد هزيمتها في حربها على غزّة، وفي ضوء ما أنجزته المقاومة الفلسطينية. ولعلّ في خطوةٍ كهذه ما يعيد خلط الأوراق، ويفرض وقائع جديدة على الأرض تسمح بالانتقال إلى مرحلةٍ جديدةٍ يتمّ فيها إرساء قواعد اشتباك جديدة تلغي مفاعيل "الحصار" القائم حالياً. ولعلّ هذا التوجّه بدأ يأخذ طريقه إلى التبلور، لكنّه يريد أن يختار اللحظة الأكثر مناسبةً للتنفيذ. وفي ذلك يرى بعضهم أنّ ما يجري قد يكون أشبه بعملية هروب نحو المجهول الذي لا بدّ منه.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".