كورونا تنتخب.
نيسان 06, 2020

سامح راشد.

قبل أن تنتهي أزمة كورونا، اكتشف العالم أن ثمّة أولوية قصوى كانت مهملة، هي بناء ما يكفي من المشافي وإعداد الكوادر الطبية اللازمة لتشغيلها، وتوفير المستلزمات والأجهزة والأسرّة، بل وقواعد البيانات الصحية والسجلات الديمغرافية. تكشفت أهمية كل هذه المجالات. أزمة واحدة ضربت العالم كله بالتزامن، فصارت الميزة النسبية للدولة التي تملك أكبر عدد من الأطباء والممرّضين، وأعداد كافية من المشافي المجهزة بأسرّة الرعاية المكثفة خصوصاً، ومخزون ضخم من أجهزة التنفس الصناعي، ومصانع قادرة على ضخ آلاف، بل ملايين الكمّامات والقفازات للاستخدام اليومي.

أدركت الدول المتقدمة سريعاً مدى القصور لديها في ترتيب الأولويات، وتوفير الاحتياجات الضرورية، البشرية قبل المادية، لمواجهة أية طوارئ. ولما كان الطارئ الراهن صحياً، سارعت الولايات المتحدة الأميركية إلى فتح باب الهجرة إليها أمام الأطباء، ولجأت مصانع سيارات وغيرها إلى تعديل خطوط إنتاجها، لتسهم في توفير المستلزمات والأجهزة الطبية. وستأتي لاحقاً خطواتٌ أخرى تردّ الاعتبار لاحتياجات الإنسان الضرورية لبقائه وحفظ حياته، وذلك بعد عقود من سيطرة النظرة الرأسمالية المنحازة إلى الصناعات الترفيهية والاستهلاكية والتطبيق الانتقائي المتعسّف لنظرية الانتخاب الطبيعي.

ربما كان سادة العالم من رجال الصناعة وأباطرة الاقتصاد والنخب السياسية يدركون تلك الحقيقة، ويخفونها بغية تحقيق مكاسب سلطوية وتحصيل ثروات ونفوذ. ما فعلته أزمة كورونا أنها أسقطتهم جميعاً، بعد أن كانت أي أزماتٍ أو معضلاتٍ تتعلق بالإنسان، بعيدة عنهم. فالناس العاديون فقط من يمرضون، والفقراء فقط من يعانون الجهل والتخلف، والقابعون وراء البحار أو على الجانب الآخر من المحيط، هم من يقتل بعضهم بعضاً بأسلحةٍ يصنعها لهم أولئك المتقدّمون الآمنون.

لم يتصوّر عتاة الرأسمالية، ولا طغاة الشمولية، أنهم في النهاية بشر، وأن ثمّة مخلوقاً مجهرياً قادراً على هدم إمبراطورياتهم، وكشف عوار (وتهافت) طقوسهم وأفكارهم الدنيوية القائمة على معادلة العقل والمال والقوة.

وعلى غرار الانتباه إلى أهمية مجال الصحة العامة، سيدرك العالم المتقدّم أن كل المجالات المرتبطة بحياة البشر هي الأهم بالمطلق، وليس فقط بالمقارنة بغيرها. سيعرف العالم أن أزمة كورونا الصحية قابلة للتكرار مرة ومرات بأشكال مختلفة ومتنوعة. مثلاً، لو وقع زلزال قوي ضرب أماكن متعدّدة في العالم بالتزامن، ستبرز أهمية المهندسين المعماريين والمتخصصين في سلامة المنشآت وأمنها، والعاملين في مجال الطوارئ والكوارث الطبيعية. ولو كانت الكارثة في المناخ، بارتفاع حادٍّ في درجات الحرارة بشكل دائم، لانشغل العالم كله بالمنشآت الخضراء والمدن صديقة البيئة، على نحوٍ يفوق الحاصل حالياً آلاف المرات، ولأقاموا التماثيل للناشطين في مجال البيئة، ولوصلت أحزاب الخضر في العالم إلى السلطة بالتزكية من دون انتخابات.

على الرغم مما يفعله الساسة وحيتان الاقتصاد في العالم المتقدّم، يظل هناك من يفكر ويتفكر في مستقبل العالم بشكل عقلاني، لا استغلالي. وربما من رحمات القدر بالعالم أن تأتي الكوارث لتوقظ هؤلاء من سباتهم، وهم بالفعل يفيقون، وإنْ متأخرين.

الأزمة الحقيقية ليست في الأباطرة وقادة القوى المستكبرة، بل تكمن الكارثة في الذيول والمتنطعين من أتباع هؤلاء، والمرتزقين على فضلاتهم، وهم للأسف كثر. أخذوا من الرأسمالية نفعيتها، ومن الاشتراكية بطشها، ولم يهتموا بطبيب ولا مهندس ولا مدرس ولا محاسب ولا خباز ولا نجار ولا ولا... وحين تحلّ الكارثة على الجميع، يكون لدى اللصوص الكبار في العالم من الصناعة والزراعة والتقدّم ما يحميهم ويحفظ حكمهم، ومن العقل ما يرشدهم وينقذ شعوبهم. أما أولئك الفاشلون المتعلقون بأذيال الكبار، فلن يجدوا ما ينفعهم، ولا من يقف معهم. ولن يجدوا شعوباً يحكمونها، بعد أن يكونوا قد "خرّبوها وقعدوا على تَلّها".

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".