كورونا وإبادة المسنين.
آذار 28, 2020

بيار عقيقي.

لم تطرح أزمة فيروس كورونا أسئلة وجودية في بداياتها، وهذا ليس مطلوباً على كل حال، بل اقتصر الأمر عملياً على محاولة فهم الوباء، وكيفية تفشيه ومواجهته. منطقياً، لا يمكن التفكير بغير ذلك. لاحقاً تحوّل الموضوع إلى طرح أسئلة وجودية من نوع "لمن نمنح الأولوية في العلاج، لمسنّ أم لشاب؟" بذريعة عدم توفّر أدوات طبية كافية لعلاج جميع الحالات. هذا النوع من الأسئلة شرّع الأبواب أمام موضوع غريب، كان ينقصه الفوهرر أدولف هتلر أو الاستعماريون الأوروبيون في القرون الوسطى، لإعطاء نصائحهم في كيفية إبادة البشر، وهو "التضحية بالمسنّين عالمياً من أجل عالم أكثر شباباً". ربما يكون السؤال الأهم: كيف تحوّلت البشرية، وهي تعاني من فيروس جماعي يغزوها، من فكرة "مواجهة الوباء" إلى فرضية "التضحية بكبار السنّ" في بضعة أسابيع؟ وهل يعني هذا أنه يمكن تطوير منطق "الإبادة" في حال واصل الوباء تفشّيه، ثم انتقاء فئات أخرى، عمرية أو عرقية أو إثنية، للتخلّص منها بغية إفساح المجال لآخرين في البقاء على قيد الحياة؟ حسناً، هل القيم الإنسانية، المفترض أن تكون أرستها سلسلة طويلة من التحركات العالمية من ثورات واحتجاجات عمالية ودروس الحروب المتلاحقة، يجب أن تنكسر أمام فيروسٍ ما بحجّة عدم توفر العلاج، وبالتالي منح الحقّ لقلّة بالتحكّم بمصير فئات محدّدة؟

هل يمكن تصوّر أن يتحول العالم، وبفعل الممارسة الديمقراطية، المفترض أن تطوّر النظرة إلى الإنسان، باعتباره فردا غنيّا يُحيي الكوكب، ويمهّد في العقود والقرون اللاحقة لغزو كواكب جديدة، إلى مطالب بـ"الانتقاء البشري" مهما كانت الأسباب؟ ألم يكن من الأجدى وضع حدّ لتمويل صناعة الأسلحة مثلاً، والانصراف إلى تحقيق التنمية وتأمين الطعام والطبابة والتعليم لكل إنسان على الكوكب؟ وإذا كان صعباً تطبيق مفهوم التنمية الشاملة، من قال إن التخلّص من فئات سكانية أمر سهل؟ أما الأسوأ فهو وجود من يتحدّث "بثقة" إعلامياً لترويج نظرية "الإبادة"، ربما حين تطاوله عملية الفرز التي ينادي بها قد يبدّل رأيه.

لم تصل البشرية إلى هذه المرحلة من تاريخها فقط لأن هناك من يظنّ أنّ في وسعه تحديد مصائر البشر، بل لأن البشر أبدوا رغبةً في البقاء على قيد الحياة، من الكهوف والمغاور إلى المدن والأرياف. وليس منطقياً أنه في وقتٍ يسعى فيه كثيرون إلى شرح فداحة الجرائم بحق الإنسانية في أي مكان في الكوكب، وعدم تصنيفها "أمرا عاديا واجبا حصوله"، يأتي من يظنّ نفسه قادرا على تحديد حق الحياة والموت لمطلق فرد، في زمنٍ ألغت فيه دول عدة قانون الإعدام من أحكامها القضائية.

عليكم فقط تخيّل فكرة لو أن من يتحدث بمنطق الإبادة كان حاكماً فعلياً في بلاده، وتحت سيطرته جيوش وقوى أمنية واستخباراتية، ما الذي كان سيفعله؟ هل سيضع المسنين في معتقلات أو غرف غاز مثلاً، أو تركهم يموتون جوعاً أو إهمالاً؟ تخيلوا فقط لو أن أحدهم كانت لديه القدرة على تطبيق أفكاره حالياً، كيف كان العالم ليُصبح، وكيف كنا قد انتقلنا من محاربة الوباء إلى محاربة المجرمين الذين يفكرون بمثل هذا التفكير، ولكان العالم قد دخل حربه العالمية الثالثة كما يروّج بعض عشاق "نظرية المؤامرة".

البقاء على قيد الحياة لا يعني قتل آخرين. لسنا في حربٍ على كمية محدّدة من المياه أو الطعام، ولسنا مشرّدين في صحارى وبرارٍ فارغة، بل بتنا على مشارف نهضة علمية ـ تقنية، قادرة على تأمين الطعام والتعليم والطبابة لكل البشر. وكل من يقول إن العديد البشري بات أكبر من قدرة الكوكب على استيعابه، فليضحِّ بنفسه من أجل الآخرين إثباتاً لنظريته. وإذا كان من أمرٍ تجب مواجهته عالمياً، بعد القضاء على فيروس كورونا، فهو منطق أبطال الإبادة، لا نريد هتلر آخر في الجوار.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".