كورونا وسكان الخيام.
نيسان 03, 2020

بشير البكر.

تبدو قريبةً من الترف دعوة سكان الخيام، من المهجّرين السوريين، كي يلتزموا بالإجراءات الاحترازية في مواجهة كورونا. جميل جدا أن نشدّد على ساكن الخيمة احترام التعليمات لجهة العزل الاجتماعي وما شابه ذلك، وأن نشرح له عملية قتل الفيروس من خلال رغوة الصابون والمطهرات الكحولية والكلور. ولكن هؤلاء الناس الذين يطفون على رغوة الحياة ليس لديهم الإمكانات من أجل تنفيذ الحد الأدنى من الإرشادات، طالما أنهم يعيشون في ظروفٍ غير ملائمة من النواحي كلها.

يتوجب على كل قادر أو معني أن يسلط الضوء على المحنة التي يواجهها أكثر من مليون سوري، يعيشون في أكثر من ألف مخيم، تفتقر للحد الأدنى من الشروط، مثل الصرف الصحي والماء النظيف والطعام، وخصوصا حليب الأطفال والأدوية الضرورية. وتقع مهمة إعلان حالة الطوارئ على منظمة الصحة العالمية التي قامت حتى الآن بخطوات رمزية، لا يمكن أن تدرأ الخطر في حال وصول الوباء إلى أيٍّ من هذه المخيمات. ويقتصر تحرّك المنظمة حتى الآن على تزويد محافظة إدلب بأجهزة فحص لا تسد حاجة المنطقة، لكن هذه ليست المشكلة الوحيدة. ويكمن الخطر الرئيسي في أمرين: انهيار البنى الصحية، وكثرة المخيمات العشوائية. والأمران مترابطان، كونهما من فعل روسيا والنظام السوري وإيران. وصار معروفا، من خلال تحقيقات صحافية على قدر كبير من الحرفية، أنجزتها صحيفة نيويورك تايمز الصيف الماضي، أن روسيا تعمّدت تدمير المشافي وكل المرافق الحيوية في المنطقة الممتدة من ريف حماة، وصولا إلى ريف حلب ومحافظة إدلب، ونجمت عن هذه الممارسات التي ترقى إلى جرائم الحرب حركة هجرة كبيرة انتشرت في حوالي ألف مخيم عشوائي، يسكنها أكثر من مليون شخص، يعيشون في شروط مزرية.

رائعٌ أن تسارع منظمة الصحة العالمية لتدبير أجهزة فحص كورونا، ولكن كل ما يلزم لمواجهة الوباء في حال وصوله غير متوفر، من مستلزمات الحجر الصحي، وحتى العلاج في المشافي التي تفتقد الأسرّة الخاصة باستتقبال مصابي كورونا. وتعد الدعوات المتكرّرة التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، على مدى الأيام الماضية من أجل وقف الحرب وتحقيق هدن إنسانية، المدخل الفعلي لحماية المخيمات العشوائية، ولكن الهدنة التي لا ترتبط بإجراءات فورية تسمح للمهجرين بالعودة إلى بيوتهم، تبقى ناقصة، وبعيدة عن جوهر المشكلة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن عودة المهجّرين إلى بيوتهم يجب أن تشمل كل مناطق اللجوء السوري في لبنان والأردن والعراق ومخيم الركبان المنسي في قلب الصحراء، والذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة بقرار روسي.

ومن دون الذهاب إلى مربط الفرس لا معنى لكل كلام. والمقصود هنا تحميل روسيا المسؤولية التامة عن حياة السوريين، بوصفها دولة الوصاية على سورية، وهذا لا يعفي إيران ونظام بشار الأسد. واللافت أن روسيا حمّلت الولايات المتحدة المسؤولية عن منطقة شرق سورية، من دون أن تبدأ بنفسها، الأمر الذي يحتّم على الهيئات التمثيلية السورية التحرّك دوليا من أجل الضغط على موسكو.

عند وصول الفيروس إلى مخيم من المخيمات المنتشرة في محافظة إدلب، فهو سوف يتمدّد على كامل المساحة الجغرافية التي يعيش عليها قرابة أربعة ملايين سوري، لأن الوباء لا يعرف الحدود. وبالتالي، سوف يضرب منطقة الشرق الأوسط كاملة، مثلما توقع الكاتب ستيفان كوك في مجلة فورين بوليسي، والذي كتب مقالا معبرا تحت عنوان "انتقام سورية من العالم سيأتي عبر موجة من فيروس كورونا". وهو إذ عرض المسألة من جانبها الصحي الكارثي، فإنه ربطها بأسبابها التي سماها بربرية الأسد وحماته الروس والايرانيين، والتي لا تستحق اسما أقل من الإبادة.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".