كيف "تلَبْنَنَتْ" المحكمة الدولية من أجل لبنان؟
آب 27, 2020

دلال البزري.

غَداة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري، في فبراير/ شباط 2005، أمرَ وزير الداخلية الممانع بمحو آثار الجريمة. وغرَضه من هذه "المهمة" واضح: تضليل أي تحقيق. وإنقاذ المنفِّذين من محاكمة عادلة. وبعد أيام قليلة، ذاع "السرّ" بين اللبنانيين. بكلماتٍ غير موثَّقة، غير مسجلة، يؤكد هذا "السرّ" مسؤولية حزب الله وبشار الأسد في الجريمة. سرّ لا ينطق به حرف أو صوت. إنما حديث شفاهي، يتراوح بين الهادئ والصاخب. يجيب الصحافي الممانع لأصدقائه الأقربين عن سؤال السذاجة التي تعتري مواقفه المكتوبة، الحامية للحزب ولدمشق: "إنني عارف أن السوريين والحزب هم الذين قرّروا تنفيذ الاغتيال. ولكنني لا أبوح بهذا "السرّ" جهاراً، لا أكتبه، لأنني أجد أن الاثنين يستحقان الحماية والوفاء. لهما الأولوية، طالما أنهما يخوضان معركة ضد الإمبريالية والصهيونية". ومثل هذا الصحافي كثيرون. وزعوا السرّ في درْدشاتهم مع المقرَّبين، وأبقوه في حصنٍ حصين، يحمي ضميرهم من كتاباتهم. ونسجوا الحكايات والبراهين والحجج التي تكذّب سرّهم هذا. واستعانوا مع الوقت بالقداسة التي أحاطها زعيمهم بالمتّهمين الأربعة، بعد حكمٍ أولي للمحكمة الدولية ذاتها، قبل أربع سنوات.

ولكن السرّ المعلن اهتزّ قليلاً، بعدما قُتل مصطفى بدر الدين، المتهم الأبرز من بين الأربعة. قليلاً اهتز. شابَ مقتله غموضٌ مريب. ولكنه غير مزعج، إذا ما قيس بحجم البلايا الأخرى التي كانت تنْهال على اللبنانيين. تكيّف اللبنانيون مع هذه الكذبة الأخرى. وهذه هي صفة "التلبنن" الثالثة، بعد محو آثار الجريمة و"السرّ" الذائع. ثم صدرت الأحكام النهائية قبل أيام، فتجلّت سمات اللبْنَنَة الإضافية بسهولة وبسرعة؛ صفة الموزائيكية، الفسيفسائية. من بين الذين تناولوا أحكامها، لم يكن هناك "فريقان"، بين مؤيد هذه الأحكام ومعارض، بين مؤيد سلاح الحزب ومعارض له. إنما عشرات المواقف، وداخل المعسكر الواحد نفسه.

المعني الأول بها، سعد الحريري، خرجَ راضياً عنها. داعياً الى تجنُّب "الفتنة". في معسكره تفاوتت التقديرات بين من يراها ناقصة ومن يخفّف عليهم الوطأة، بأنه "يكفي أن...": أن يكون "السياق السياسي" للجريمة قد سُجِل. وهذه وصْمة يحيّونها، بصفتها باقية للتاريخ (المقصود إشارة المحكمة إلى "الدوافع السياسية" التي كانت موجودة لدى حزب الله ودمشق باغتيال رفيق الحريري). أو بأن روسيا أصلاً، صاحبة الفيتو، كانت قد قصْقصت جوانح المحكمة، بأن اشترطت يوم التصويت لإنشائها ألا يشمل عملها "دولاً وأحزاباً وجمعيات". وداخل هذا المعسكر، تطلع أصوات الشجب والإدانة لولي الدم، أن موقفه رخو، وأنه يفعل ذلك كله تقرّباً من حزب الله، أي طمَعاً بتكليفه برئاسة الوزارة القادمة.

والتهكّم على المليار دولار والخمس عشرة سنة أخذتها المحكمة لتتْلو "قراراً كهذا!"... ربما هذه النقطة الوحيدة الجامعة بين الساخطين من المعسكر الأول والمستخفِّين بهذه المحكمة من المعسكر الواقف بوجهه، أي الممانع. في هذا الأخير، تسود اختلافات بسيطة. تجمع المكابرة بالنكران والتشفّي بضعفها، والاحتفال بعد النطق الصريح بمسؤولية سليم عياش وحده عن الجريمة، بعد خلو الإثبات ضد شريكَيه. والثلاثة أعضاء في حزب الله. والاستفزاز أيضاً، حيث كُتب اسم سليم عياش بالخط العريض، على يافطة عُلِّقت في مدخل قريته الجنوبية، بصفته بطلاً مقاوماً. واليافطة نفسها تتسبّب باشتباكٍ في محيط جنوب بيروت، بعدما حاول متحمّسون تعليقها على مدخله. وداخل هذه المعسكر غرائب لبنانية رديفة، مكمِّلة: أحد الإعلاميين يكتب الآن، وبجدّية بالغة، بأنه يملك برهاناً على أن إسرائيل هي التي اغتالت رفيق الحريري. ما هو هذا البرهان؟ لقاء جمعه مع أحد أركان المخابرات السورية، حيث نفى تماماً، بعد سؤال، تورّط أجهزته ودولته بالجريمة.

المشرِّعون أنفسهم، اختصاصيو القانون، منقسمون حول المحكمة. بين من يرى أنها لم تأتِ بأي دليل على تورّط حزب الله والنظام السوري في الجريمة ومن يشيد بحُكمها لأنها سجلت "الدوافع السياسية" لدى الاثنين في عملية الاغتيال. وإنْ لم يؤدّ هذا الذكر إلى نتائج قانونية أو إدانة صريحة. الانقسام، فوق الانقسام الأكبر، تجده هنا وهناك. التشتّت في الآراء، حتى لو كانت آتية من "جهة" واحدة، هي صفة لبنانية خالصة.

"التوافق"، وهو مع "المحاصصة" و"المقايضة"، من نجوم الكلام اللبناني، لم يمرّر أحكام المحكمة من دون أن يترك بصمته. وزير عدل سابق، في زمن تأسيس المحكمة، يروي كيف نشأت: بـ"التوافق مع حزب الله"، وفي "جو من السرور والألفة والاستمتاع "، تمكّن هذا الوزير من "الاتفاق" مع حسن نصر الله على الصيغة التي تُرضيه، فيسهِّل بذلك تأسيس المحكمة وتمويلها. بل يذهب إلى تسمية هذا الاتفاق بـ"المقايضات". ولا يرى مانعاً من أن "تستمر الآن" هذه المقايضات، بعد صدور أحكامها. يقول الخبثاء إن تصريح الوزير السابق هذا هو مجرّد تقديم أوراق اعتماد إلى حزب الله. لعلّه يرشّحه لرئاسة الجمهورية. أو على الأقل لوزارة .. وهذه من الممارسات التي أصبحت لبنانية صميمية.

ولكن أكثر الوجوه لبْنَنَة لتلك المحكمة اقتصارها على اسم واحد: هو رفيق الحريري. وأحيانا، تأتي على ذكر "رفاقه" الآخرين. ولا نعرف إذا كان هؤلاء ضُمّوا إلى ضحايا المصادفة الذين كانوا يمرّون بالقرب من مكان الجريمة. أي أن المحكمة أشاحت النظر عن كل الجرائم السابقة الموازية لها واللاحقة عليها، في حقبة الاغتيالات والإرهاب. وكأن ثمّة تراتبية في الأسماء، فبعد الحريري، و"رفاقه"، كانت بضعة أسماء للذين تعرّضوا لمحاولة اغتيال، والذين كانوا من الوجوه المعروفة. ثم بعد ذلك، قليل من التذكّر الإعلامي لبعضها: جورج حاوي، سمير قصير، وليد عيدو. ومعهم اسم وسام عيد، الذي قضى هو أيضاً اغتيالاً، إثر كشفه عن شبكة الاتصالات التي جمعت المتهمين ونظّمت جريمتهم. وما عدا ذلك، الباقي أرقام، لا ذكر لأسمائهم. لا لائحة، ولا وجوه، ولا إحصاء لعددهم، ولا محاكم دولية. إنما محاكم لبنانية للأقدر من بينهم، إما ذابت في كواليس الفساد والتهديد والتخويف أو تمت "مقايضتها" بجائزة سكوت، أيضاً وأيضاً.

هذا ما يجعل ضحايا انفجار المرفأ من دون أمل حقيقي بمحاكمة دولية مموّلة، فهذه تحتاج إلى وجه وجيه، إلى زعيم طائفة، إلى سياسي قديم .. إلى أي رمز يمكن أن يستنفر الطاقات والموارد. هذا الوجه من "اللبْنَنَة"، حيث لا حساب لضحية جريمة المرفأ المجهولة الوجه والاسم، برسم كل تحقيق. وحيث المواطن البسيط مجرّد "خسارة جانبية" لصراع الكبار.

وإذا شمّرنا عن سواعدنا، وقرّرنا استعادة وجه هذا المواطن البسيط واسمه، علينا أن نبدأ بالذين قُتلوا وخطفوا خلال الحرب الأهلية. من هنا نبدأ. بمخالفة "لبنانيتنا" هذه، المكتسبة، أو تجديد حلمنا بلبنان. إذا ما تجرّأنا على الحلم.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".