كيم - مُون: «وفاق» قد يغيّر حسابات أميركا والصين.
نيسان 30, 2018

عبدالوهاب بدرخان.

صحيح أنها المرّة الثالثة التي يلتقي فيها رئيسا الكوريتين الشمالية والجنوبية، في مواعيد متباعدة ووجوه مختلفة، لكن زخماً هائلاً من الآمال والطموحات استبق قمة السابع والعشرين من أبريل 2018 وواكبها، وقد يُسفر عن تغيير، أو على الأقل بداية تغيير في مسار شطرَي البلد الذي أصبح في الحقيقة والواقع بلدَيْن متباينَيْن يصعب توحيدهما، لكن يمكن لتعاونهما وتكاملهما أن يعفي الشعب الواحد -وقد أصبح أيضاً شعبَيْن- من تداعيات الانقسام وأضراره ولعبة الأمم التي بلغت أحياناً عدة حدّ التهديد الوجودي والمواجهة النووية.

نظر العالم كلّه إلى مصافحة «كيم جونغ أون» و»مون جاي إن» واجتماعهما وإلى التحضيرات المسبقة، على أنها تمهيد لـ «توافق»/ «اتفاق» ممكن، إذا تأكدت الإرادة من الجانبَيْن. غير أن أحداً لا يعتقد أن قمّتهما قادرة وحدها على لجم اللعبة الدولية، فلا الجنوبي يستطيع تجاوز الهيمنة الأميركية على بلاده، ولا الشمالي كيم يمكنه التعامل مع الهيمنة الصينية كشأن ثانوي. فهذان تحدّيان يفوقان إمكانات الرئيسَين، ويتطلّبان منهما أن يتفوّقا على نفسيهما وأن يُحدثا فارقاً في المهمش «الوطني» الضيّق الذي تركته واشنطن لسيول، وبكين لبيونغ يانغ. فلولا هذا المهمش لما أمكن لمون أن يتحرّك ليطرح بديلاً من التهديدات المتصاعدة بين كيم ودونالد ترمب، ولولاه أيضاً لما استطاع كيم أن ينتقل من الوعيد بضرب السواحل الغربية للولايات المتحدة إلى الاستعداد للقاء ترمب.

التحدّي الآخر المهم لكيم ومون يبقى كورياً أولاً وأخيراً، فبلدهما انتقل خلال القرن الماضي من احتلال ياباني إلى تقسيم وتقاسم نفوذ بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، ثم بين الأخيرة والصين، وبالتالي فإن قدره الجيوسياسي حُكم عليه بالعيش نحو قرن بين احتلال وهيمنة خارجيَيْن، وفرض انقساماً بات يوجب على الشطرَين إدارته بنهج جديد. لم يكن التقسيم خياراً كورياً بل دولياً فرضته خطوط التماس بين القوّتين العظميَين كنتيجة للحرب العالمية الثانية وملحقاتها أوائل خمسينات القرن الماضي؛ لذلك فمن البديهي أن الجنوب لم يجد خياراً آخر آنذاك سوى قبول الحماية الأميركية، ومن ثَمّ التمسك بها، أما الشمال فخاض الخيار الذي دفعه إليه السوفيات بالتحول إلى قوة عسكرية ثم نووية، سواء لحماية نفسه أم لتحقيق حلم إعادة توحيد كوريا.

لا شكّ أنها كانت -ولا تزال- تجربة مريرة وقاسية للشطرَيْن، ويمكن أن تُقارن بتقسيم ألمانيا في المرحلة ذاتها ولأسباب وظروف مشابهة. وفي الحالَيْن كانت مخرجات التقسيم متشابهة أيضاً، فألمانيا الغربية طوّرت اقتصاداً ناجحاً واستطاعت أن تتحمّل متطلبات ضمّ الجزء الشرقي وإعادة تأهيله بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. كذلك توصّلت كوريا الجنوبية إلى اقتصاد جيّد، وقد يزدهر أكثر إذا ترسّخ الاستقرار الإقليمي لتتمكّن من مساعدة الشطر الشمالي الذي يملك اقتصاده مقوّمات كبيرة، لكنها سُخّرت طوال عقود في خدمة الطغمة الاستبدادية ومشاريع التسلّح، فيما يعيش معظم الشعب في مجاعة مقنّعة.

هل مشهد كيم ومون يداً بيد مؤشّر إلى جاهزيتهما لتأسيس فهم جديد، عملي وإيجابي، لجعل الانقسام حافزاً لتعايش سلمي بدلاً من أن يظلّ عقدة لا يملك أي منهما معادلة سحرية لفكّها؟

السؤال مطروح ومتخم بالكثير من الافتراضات، فمعادلات النفوذ الدولي لم تتغيّر، بل لعلها تزداد تعقيداً بتصاعد الصراع التجاري بين أميركا والصين، لكن اندفاع الكوريتَيْن في وفاقهما قد يخفض هواجسهما الأمنية ويفرض على الدولتَيْن الكبريَيْن أمراً واقعاً لا يمكنهما تجاهله.;

المصدر: العرب القطرية.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".