لا تبتسم أنت في الكرملين
شباط 22, 2022

عيسى الشعيبي

نادراً ما تمكّنت عدسات المصورين الصحافيين من ضبط الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، متلبّساً بجنحة ابتسامة، كما لم تسجّل مقاطع الفيديو، الممنتجة قبل بثّها، مشهداً يفترّ فيه ثغر القيصر الجديد عن طيف ضحكةٍ تجاه زواره القلائل، تطبيقاً للمفهوم الذكوري إن الضحك يقلّل الهيبة، وقد يدلّ على الرعونة والخفّة، الأمر الذي كوّن انطباعاً مرغوباً به عن سيد الكرملين، مفاده بأنّ التجهم وعقد الحاجبين هما شهادة إثبات على المضاء وقوة الشكيمة، نقيضاً لما تؤدّي إليه الدعابة والهزل من تخليق صور خاطئة، عن قائد جادّ، يعيد ترميم مكانة الدولة المترامية بين قارّتين، وينافس على الزعامة العالمية، بكلّ وسيلة، بما في ذلك إظهار الرزانة بأعلى درجاتها، وتعزيز سمة الصرامة التامّة في إدارة علاقات موسكو الخارجية.

في ظلال الأزمة المتفاقمة بين روسيا والغرب، ومع تزايد أعداد زائري موسكو، سعياً وراء فرصة لمنع نشوب حربٍ جديدةٍ في أوروبا، خرجت، بين مشاهد أخرى، أربعة مشاهد لافتة من الكرملين، تتعلق جميعها باجتماعات بوتين مع زائريه، اثنان مع ضيوف أجانب، الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني، جرى كلاهما حول طاولة بيضوية طولها أربعة أمتار، واثنان آخران مع أهم مساعديْن للرئيس القلق، وزيري الخارجية والدفاع، انعقدا، كلّ على حدة، حول طاولة اجتماعات مستطيلة، يزيد طولها عن عشرة أمتار.

في المشهد الأول، بدا الرئيس الروسي شديد التجهم وبالغ التوتر مع ضيفه الفرنسي ماكرون، سواء حول المائدة المطعّمة بالذهب، أو خلال المؤتمر الصحافي المشترك، وهو ما تجلّى في مغادرة بوتين المنصّة على عجل، وخروجه مسرعاً من القاعة، قبل أن يلملم الضيف أوراقه وينصرف، مستغرباً هذا الخرق الفظ للتقاليد المرعية. كما تكرّر الأمر بحذافيره مع الضيف الألماني، الأمر الذي يؤكد انزعاج بوتين من هول تحذيرات الغرب له بالويل والثبور، إن جازف باجتياح أوكرانيا، وعبر بحشوده العسكرية حدود البلد الذي كان يمثل أثمن ما لدى الاتحاد السوفييتي السابق من ممتلكات نفيسة.

أما في المشهدين الآخرين حول المائدة المستطيلة، فقد بدا الرئيس الروسي أكثر تجهماً مع الوزيرين المكلفين بإدارة المواجهة مع الغرب، لافروف وشويغو، قياساً بما كان عليه الحال مع الفرنسي ماكرون والألماني شولتز، فبدا كلّ ذلك التباعد الجسدي مع الوزيرين الكبيرين محلّ تساؤل عن مغزى كلّ هذه العزلة التي يحيط بها بوتين نفسه، سيما في هذا الظرف الذي يتطلب التشاور عن كثب، وإعادة تقييم الموقف ساعةً بساعة، فيما لم يُظهر الرئيس الحريص على صحته كلّ ذلك التحوّط والاحتراز الشديدين، خلال لقائه الحميم مع حليفه اليتيم، أو قل مع توأم روحه، الرئيس البيلاروسي، الباقي وحده في الميدان، بعد سقوط صديقي القيصر الأشرّين، ترامب ونتنياهو.

والحق، أن لا شيء في الكرملين يدعو إلى الابتسام في هذه الآونة المفتوحة على أشد الاحتمالات خطورة، ولا هناك ما يبعث على الابتهاج في ظل هذه الأجواء الملبّدة بغيوم سوداء كثيفة، إذ تبدو الأزمة التي لم تنتهِ فصولاً بعد، تجري بعكس ما أراد بوتين تحقيقه، رغم استعراض القوة الهائلة قبالة أوكرانيا المذعورة، فيما اشتدّت الرياح التي أخذت تهبّ في غير صالح أشرعة السفينة الروسية، وكأنّ صندوق "باندورا" قد انفتح في وجه موسكو دفعةً واحدة، فيما غدت القدرة المؤكدة على اجتياح البلد الذي غزته روسيا بسهولة، قبل ثماني سنوات، بلا أفق سياسي، بعدما تحوّل البلد المجاور إلى مصيدة كبيرة، أعدها الغرب على عجل، للإيقاع بالدبابات الزاحفة والطائرات المغيرة، على نحوٍ يعيد إلى ذاكرة الروس المثخنة أشباح أفغانستان الكئيبة، ويُرجع القوة الكبرى المتطلعة نحو سنام الدولة العظمى إلى مجرد قوة إقليمية محاصرة، ومدجّجة، مثل باكستان، بالأسلحة الذرية.

قبل أن يستكمل بوتين خطوته الأولى على طريق العظمة، سيما ردع أوروبا وإبعاد القوات الأميركية عن حدود بلاده، ومن ثمّة بناء نظام دولي متعدد الأقطاب، استردّ حلف الناتو وحدته، بعد أن كان دونالد ترامب قد أوشك على تفكيكه. واقترب "المارينز" من التخوم الروسية أكثر، وامتلكت أوكرانيا المستضعفة، تحت بصر روسيا وسمعها، جل ما يعوزها من تكنولوجيا حربيةٍ متقدّمة، للقيام بمذبحة كبرى في المدرعات الغازية، وربما الطائرات، وهي متغيّرات مهمة، أفشلت استراتيجية كسب المعركة بالتهويل والترهيب البروباغندا، وأملت على بوتين المفاضلة بين التراجع وفقدان ماء الوجه وبين خوض حرب يعرف كيف يبدأها، ولا يدري كيف ينهيها.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".