لبنان حيث السلطة تستثمر بالانهيار
تموز 05, 2021

مالك ونوس
تتجاوز دلالات وضع بعض المؤسسات الحكومية والمصارف والمستشفيات اللبنانية سواتر حديدية أمام أبوابها ونوافذها، وأحياناً حول البناء برمته، فكرة الاحتياط من أي هبَّةٍ شعبيةٍ مقبلةٍ بسبب الانهيار الجاري في البلاد، تتجاوزها إلى حقيقة أنه ليس لدى السلطة اللبنانية ما تفعله حيال هذا الانهيار من أجل وقفه أو إبطاء تسارعه، بل تتركه مستمرّاً لتصبح تبعاته كارثية. وفي هذا الوقت، يستمر أقطاب السلطة اللبنانية في التنازع على حقائب وحصص طوائفهم من حكومةٍ أخَّر ذلك التنازع تشكيلها أشهراً، وكأن البلاد في عصرٍ يحتمل رفاهيةَ التأجيل من أجل التوافق. غير أن هذا التأجيل وهذا التنازع يخفيان حقيقة أن هذه السلطة التي تستثمر في فقر أبناء الشعب وجدت في الانهيار حقلاً آخر للاستثمار والتربّح.
وهكذا، بعد تَحوُّل لبنان إلى دولة فاشلة في السنتين الأخيرتين، حين باتت غير قادرة على سداد ديونها ولا على المحافظة على حدودها، وباتت بعض المليشيات تتحكّم بمصيرها ومصير أبنائها، وبعد غياب الحكومة، وليس فحسب فقدان هذه الحكومة القدرة على تلبية حاجات مواطنيها من غذاء وتعليم ورعاية صحية أو تأمين الحماية لهم، وبعد التضخم الكبير الذي ضرب عملتها، بعد هذا كله، دخلت البلاد في طور الانهيار الجلي الذي تظهر ملامحه للجميع في كل المجالات. وقد برزت معالم هذا الانهيار فاضحةً مع دخول لبنان برمّته في العتمة الكاملة قبل أيام، نتيجة فقدان مادة الفيول اللازمة لتشغيل معامل الطاقة فيه، هذه المعامل التي حُيِّدت مقابل استئجار بواخر من الخارج لتوليد الطاقة، بسبب مصلحة بعض السياسيين المنتفعين من هذا الإجراء.
كما برزت تلك المعالم مع فقدان الدواء من الصيدليات والمشافي، وهو ما أفضى إلى توقُّف المستشفيات عن استقبال المرضى، ما عدا الحالات الطارئة. كما انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلام مشهد سيدة لبنانية في مطار القاهرة تصطحب معها حليب الأطفال إلى لبنان في حقائبها، بعد فقدانه من الأسواق اللبنانية، أو ربما احتكاره لبيعه بسعر أعلى، حتى لو أدى ذلك إلى موت بعض الأطفال جوعاً. ولم ترَ السلطة في هذه العلامات أي خطر، فهي في موقع الأمان، وانتظار قطف ثمار الانهيار. سلطة تفتقر إلى أي رؤية أو مشروع لمعالجة الأزمة التي تمر بها البلاد، أو لمعالجة المديونية التي تزداد بسبب التوقف عن السداد. سلطة بدا أن لا أزمة تعترضها أو تشغل وقتها، هذه الأيام، سوى أزمة تشكيل الحكومة وتحاصص حقائبها.
وفي وقتٍ لا ترى السلطة فيه حلاً أو سبيلاً للخروج من الأزمة سوى الاستدانة من الصناديق الدولية، تبقى القروض الدولية محظورة على لبنان، إلى حين تحقيق ما طالبت به هذه الصناديق من إصلاح ومحاربة للفساد الذي لن يتم في عهدها. وللتأكيد على هذا الأمر، قال البنك الدولي في تقرير "مرصد الاقتصاد اللبناني" الذي أصدره، في 1 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران الجاري)، إن لبنان يغرق في إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية، وربما إحدى أشدّ ثلاث أزمات على مستوى العالم من منتصف القرن التاسع عشر.
ولم يفت البنك الإشارة إلى ما بات مسلَّماً به، أن سبب الأزمة إحجام الدولة عن تنفيذ السياسات الإنقاذية التي تلقت نصائح لتنفيذها من هذا البنك، ومن مؤتمر سيدر للدول المانحة، ومن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً. كما لم تُنصت للمطالب الشعبية التي تصب في السياق نفسه، والتي خرجت على شكل دراساتٍ وبياناتٍ من قوى حزبية ومطلبية وشخصيات اعتبارية، وكذلك عبر احتجاجاتٍ دائمة، ومنها انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، التي استمرت أشهراً، وقابلتها أطراف السلطة والمليشيات بالقمع والتخوين، بدلاً من الاستماع للأصوات التي خرجت خلالها، وتنفيذ ما طالبت به من إصلاحات. ولم ينسَ البنك التأكيد على أنه "لا تلوح في الأفق أي نقطة تحوُّل واضحة"، وذلك في ظل سلطة تنفيذية مشلولة، في وقتٍ لا هم فيه للسلطة سوى الحفاظ على مكتسباتها والبحث عن مكتسبات جديدة يسفر عنها الانهيار.
ولمعرفة كيف تستثمر السلطة في الانهيار، يكفي معرفة أنه في لبنان، لكلِّ فريقٍ سياسي أو زعيمٍ طائفي جناحٌ تجاري استثماري ضارب، برتبة مافيا احتكار وسمسرة وأعمال مصرفية، أسوة بالجناح العسكري الذي كان لهم أيام الحرب الأهلية. يتمثل هذا الجناح التجاري بمقاولٍ أو تاجرٍ، تقف تجاراته على المناقصات الحكومية أو التوريدات النفطية والغذائية والدوائية المدعومة من الدولة، كونها تحظى بالتغطية اللازمة من العملة الصعبة وذات مردودية ربحية هائلة. ولا تستورد تلك الأجنحة المواد المطلوبة إلا بعد الحصول على تمويل جزئي من القطع الأجنبي من مصرف لبنان، وهنا تكمن ساحة الصراع. وهذا الصراع دائم ومحتدم بين أولئك الزعماء والفرقاء السياسيين على قطعة الجبنة هذه؛ إذ يحصلون على الدولار اللازم وفق السعر الرسمي، أي 1500 ليرة لبنانية مقابل الدولار، بينما يتراوح سعره في السوق السوداء هذه الأيام بين 16 ألف ليرة و17 ألف ليرة. وعند استيراد المواد المطلوبة، يجرى بيعها بسعر الدولار الرائج في السوق السوداء، بدلاً من بيعها بالسعر الرسمي. وأحياناً، وكما هو متبع هذه الأيام يجرى تخزينها، سواء كانت مشتقاتٍ نفطيةً أو قمحاً أو دواء، بانتظار زيادة سعرها، ما أفرز طوابير على محطات الوقود والأفران، إضافة إلى شحّ الدواء.
ولبنان الفريد في المنطقة، بحسب منظّري صيغته الطائفية، قرّر أن يكون فريداً في دعم المواد الغذائية، وفق لائحة تضم 300 سلعة، وضعتها الحكومة مع بدء ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة قبل سنةٍ ونصف السنة. وشملت اللائحة، إضافة إلى المحروقات والقمح والدواء وبعض المواد الغذائية، المواد التي تدخل في بند الرفاهية، ومنها على سبيل المثال مبيِّضات القهوة وقهوة الإسبريسو ومشروب الشوكولا والكاجو، وهو ما اعتبره كثيرون فضيحة أخلاقية، بسبب تبخُّر أموال المودعين في المصارف اللبنانية بعد تخصيصها لدعم رفاهية الأغنياء. ولم يكفِ السلطة هذه الفضيحة، فقد تبين أنها تدعم بعض مواد داخلة في الصناعة، مثل الحبيبات البلاستيكية التي تصنع منها مواد يجرى تصديرها إلى مناطق مختلفة من العالم، وتحويل ثمنها إلى حسابات التجار في البنوك الغربية، بعدما كان المأمول به عودتها إلى لبنان لدعم احتياطي المصارف من القطع الأجنبي.
اتفق كثيرون على أن مرحلة جديدة ستظهر بعد إمعان السلطة في إفقار اللبنانيين، وفيها سيضطر المواطنون إلى بيع عقاراتهم، بعدما باعوا سياراتهم وبعض مقتنياتهم من أجل شراء حاجياتٍ غذائية. وقتها، سيكون أقطاب السلطة بالمرصاد ليشتروا هذه العقارات بأثمانٍ يفرضونها على المالكين. ولن يكتفوا بذلك، بل سيشترون المنشآت والمصانع والمؤسسات الحكومية التي ساهموا في تعثرها، مقدِّمين أنفسهم على شكل مستثمرين سينقذون اقتصاد البلاد. وإزاء هذا الانهيار، من الممكن ألا نشهد انتفاضاتٍ أو ثورة شاملة، بل تكرار لبعض الاحتجاجات المتناثرة. احتجاجات أحجم الناس عن المشاركة فيها، ومن المتوقع أن يستمر إحجامهم، بعدما رأوا أن أسلوب مطالبة السلطة التي سطت على مدّخراتهم في البنوك الوطنية هو عبثٌ، كونه سيعني زوالها، في وقتٍ أصبح أي احتجاجٍ لا يقدم بديلاً عن هذه السلطة، هو عبث أيضاً، لكنه أشدّ وطأة.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".